الشاون 24
بقلم: مونة الحداد
باحثة في القانون المدني والتحولات الاقتصادية
يعزو كثيرون لجوء الأطفال إلى اللعب في الشوارع إلى غياب المتنفسات الطبيعية وملاعب القرب داخل الأحياء السكنية، معتبرين أن الفضاء العام أصبح الملاذ الوحيد أمام طاقة الطفولة المحاصرة داخل الشقق الضيقة والبيئات الحضرية المكتظة. غير أن هذا التفسير، على وجاهته الجزئية، لا يمنع من طرح تساؤل أعمق يتعلق بما يمكن تسميته بـ”الاستقالة التربوية” لدى بعض الأسر؛ حين يتحول إخراج الطفل إلى الشارع إلى حلّ سهل لتفادي الضجيج المنزلي أو لتخفيف عبء المتابعة اليومية، دون تقدير كافٍ لما قد يترتب عن ذلك من آثار تربوية واجتماعية.
فـ”ملعب الشارع” لا يمثل مجرد فضاء بريء للعب، بل هو مجال اجتماعي غير مؤطر يفتقر في الغالب إلى الحد الأدنى من الرقابة التربوية. وفي مثل هذا السياق المفتوح، يصبح الطفل عرضة لاكتساب أنماط سلوكية غير مرغوبة، أو لتلقي قاموس من الألفاظ والتصرفات التي قد تؤثر سلبًا في مساره التكويني وفي عملية التنشئة الاجتماعية السليمة.
ولا تقتصر الإشكالية على الجانب السلوكي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى البعد الأمني؛ إذ إن التواجد غير المراقب للأطفال في فضاءات عمومية غير مهيأة قد يضعهم في حالة من الهشاشة الأمنية، ويجعلهم أكثر عرضة لمخاطر متعددة، سواء تعلق الأمر بالحوادث أو بالاحتكاكات الخطرة أو بمحاولات الاستغلال من قبل الغرباء في بيئات تفتقر في كثير من الأحيان إلى شروط السلامة واليقظة المجتمعية.
ومن منظور قانوني وتربوي، لا يمكن فصل حق الطفل في اللعب عن حقه في الحماية. فالطفولة، باعتبارها مرحلة تأسيسية في بناء الشخصية، تحتاج إلى فضاءات آمنة ومؤطرة تسمح بتفريغ الطاقة الجسدية والنفسية دون تعريض الطفل لمخاطر مادية أو سلوكية. ومن هنا يظهر أن التعامل مع هذه المسألة يقتضي قدرًا من المسؤولية المشتركة. فإخراج الطفل إلى الشارع لا ينبغي أن يُختزل في نشاط ترفيهي بسيط؛ ففي كثير من الحالات، يمثل انتقالًا من بيئة رعاية محمية إلى فضاء اجتماعي غير منظم، قد يحمل في طياته مؤثرات سلبية تتجاوز لحظة اللعب العابرة.
وإذا كان القانون يشترط في مختلف التصرفات المدنية توفر قدر من الأهلية لمباشرة الحقوق والالتزامات، فإن مسؤولية تربية الأطفال تظل بدورها وظيفة اجتماعية وتربوية جسيمة. ومن ثم يظل السؤال مفتوحًا للنقاش: إذا كان القانون يشترط الأهلية لمباشرة التصرفات المدنية، فهل يكفي توفر الأهلية القانونية للزواج لضمان الأهلية التربوية لتحمل مسؤولية تنشئة الأطفال؟
