ads x 4 (3)
ads x 4 (4)

الجفاف الذي أخفى معالم الجريمة

ما تشهده جبال الريف اليوم ليس حدثاً عابراً ولا كارثة طبيعية مفاجئة، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من الإهمالوالتخريب المنهجي. لعقود جرى التعامل مع الغابة باعتبارها هامشاً يمكن التضحية به، ومع المجال الجبلي كأرضصالحة للاستنزاف لا كمنظومة بيئية واجتماعية متكاملة.

اقتلاع الغطاء الغابوي لم يكن فعلاً معزولاً، بل سياسة غير معلنة، غذتهازراعة غير مضبوطةوتواطؤ بالصمت،وغياب حقيقي لحماية المجال الغابوي. ومع كل شجرة سقطت، كانت التربة تفقد جزءاً من تماسكها، وكان الخطريتراكم في انتظار اللحظة المناسبة للانفجار.

سنوات الجفاف لعبت دور المخدر الجماعي أخفت حجم الدمار وأجّلت المحاسبة. وعندما جاءت الأمطار، لم تُحدثالكارثة، بل كشفتها. انهارت التربة، تحركت الصخور، ووجدت الساكنة نفسها في مواجهة مباشرة مع نتائج سياساتقصيرة النظر.

ليس من العدل اختزال المأساة في سلوك الساكنة المحلية. فالساكنة لم تكن فاعلاً حراً، بل محاصَرة بالفقر، وبغيابالبدائل، وباقتصاد هش فُرض عليها. المسؤولية الجوهرية تقع على عاتق اختيارات عمومية فاشلة، وأجهزة رقابةفقدت دورها، وتصور تنموي فصل البيئة عن التنمية.

في زمن التغيرات المناخية، لم تعد الغابة قضية ثانوية أو ترفاً بيئياً. إنها خط دفاع استراتيجي، وضمانة للاستقرار،وشرط للأمن الإنساني. ما نعيشه اليوم هو الثمن المؤجَّل لسنوات من الصمت والتواطؤ وسوء التقدير.

وإن لم تتحول هذه اللحظة إلى مراجعة جذرية تعيد الاعتبار للغابة كقضية سيادية، فإن ما حدث لن يكون سوىبداية لمسار أكثر كلفة وخطورة.

ذ.كريم المحساني – الشاون24

Loading...