لم يعد الحديث عن التربية الدامجة اليوم مجرد ترف فكري أو شعار ترفعه المنظمات الحقوقية، بل أصبح ضرورةحتمية لإعادة بناء المدرسة المغربية على أسس العدالة والإنصاف.
إن الانتقال من مفهوم “الإدماج” البسيط إلى “الدمج الشامل” يمثل ثورة في الفلسفة التعليمية حيث لم نعد ننتظرمن الطفل في وضعية الإعاقة أن يتكيف مع بيئة مدرسية جامدة، بل أصبح لزاما على المدرسة أن تعيد تشكيل نفسهالتستوعب الجميع.
يخطئ الكثيرون حين يحصرون الإعاقة في الجانب الطبي، بينما في التربية الدامجة، ينظر إليها كحالة تفاعل بينقدرات الفرد وعوائق البيئة، فالإعاقة الحسية سواء كانت بصرية أو سمعية، لا تمس ذكاء الطفل، بل تمس قنواتتواصله مع المعلومة، وبمجرد توفير وسائط بديلة كطريقة برايل للمكفوفين، أو لغة الإشارة والوسائط البصريةللصم، يذوب العائق وتبرز القدرة.
وكذلك الحال مع الإعاقات الخفية مثل اضطرابات التعلم (الديسليكسيا) أو اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة،فهي ليست نقصا في القدرات، بل هي اختلاف في معالجة المعلومات يتطلب مرونة في التدريس لا أكثر.
ولإنجاح هذا المسار يجب الاعتماد على “المثلث الذهبي” الذي يتألف من الفضاء المستجيب، المنهج المرن،والمورد البشري المؤهل، فالمدرسة الدامجة ليست مجرد منحدرات للكراسي المتحركة، بل هي قسم صديقللحواس ومنهج يسمح بتكييف طرق التقويم والامتحانات، لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص الذي لا يعني إخضاع الجميعلنفس الاختبار في نفس الظروف، بل يعني إعطاء كل طفل المفتاح الذي يفتح قدراته الخاصة، سواء عبر منح وقتإضافي، أو تحويل الكتابة إلى إملاء، أو استخدام التكنولوجيا المساعدة.
ولابد من الإشارة إلى أن الأستاذ مهما بلغت كفاءته، لا يمكن أن يشتغل في معزل عن باقي المتدخلين، فالمختصالنفسي والاجتماعي هو الذي يفكك شفرات السلوك، والأسرة هي الخبير الأول بطفلها والشريك الأصيل في وضعمشروعه البيداغوجي الفردي،عندما تتناغم هذه الأدوار، ننتقل بالطفل من حالة العزلة إلى حالة الاستقلالية.
و لا يجب أن نغفل عن أعظم أثر للتربية الدامجة الذي لا يظهر على الطفل ذوي التنوع الوظيفي فحسب، بل علىأقرانه “العاديين“، ففي القسم الدامج، يتعلم الأطفال قيم التضامن، والتعاطف، وتقبل الاختلاف كغنى لا كعيب، هناتبنى بذور مجتمع دامج، خال من التنمر والإقصاء، مجتمع يرى في التنوع سر قوته.
إن الطريق نحو مدرسة دامجة شاملة لا يزال طويلا ويواجه تحديات لوجستية وتمثلية، لكن الإرادة التربوية والوعيالمجتمعي كفيلان بتذليل هذه العقبات، والاستثمار في إنسان الغد، ليكون وطنا يتسع للجميع كما هم، لا كمانريدهم أن يكونوا.
رانيا أقلعي، أستاذة بالتعليم الابتدائي،
متخصصة في التربية الدامجة
