ads x 4 (3)
ads x 4 (4)

الموروث المادي واللامادي في قبيلة بني بوزرة الغمارية (الأصول والامتدادات)

لكل مجتمع رصيده من الثقافة المادية والمعنوية الموروثة عن أسلافه، تشكل بشكل أو بآخر الهوية التي تميزه عن باقي شعوب العالم الأخرى، هذا الرصيد الذي يأخذ صورًا متنوعةً ومختلفةً، فكريةً كانت كالمعتقدات واللغات، بلهجاتها، والعادات والتقاليد والطقوس والفلسفة الخاصة بأساليب العيش والتفاعل المجتمعي؛ أم ماديةً كانت، كمنتجات ومخرجات يد الإنسان من آلات وأدوات وأبنية وكافة المستلزمات المادية، الضرورية للعيش والداخلة في التفاعل الحياتي اليومي ضمن بيئات متنوعة وأزمان مختلفة؛ وبما أن الموروث الثقافي العالمي هو كل المواد المادية (الملموسة)، وغير المادية (غير الملموسة-الفكرية)، وكلاهما يعملان على الحفاظ على ذاكرة الشعوب من الاندثار مع مرور الزمن. (عمر جسام العزاوي، مقال: أهمية الموروث الثقافي وطرق حمايته .

وبما أن منطقة الشمال المغربي (الغربي) بموقعها المتميز والاستراتيجي لها مكانة مميزة في التاريخ الثقافي والسياسي والاجتماعي المغربي، فإن الحديث عن بعض خصوصيات مجتمعاتها الضاربة في القدم أصبح أمرا ملحا بسبب التأثير السلبي الذي أصبحت وسائل التواصل والإعلام تمارسه على المتلقي –وخاصة الفئة الشابة؛ والتي تعتبر مستقبل البلاد ومرآته.

تعتبر قبيلة بني بوزرة جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، ولهذه القبيلة أدوار كبيرة على الساحة السياسية والتاريخية والعسكرية المغربية، كما أن لهذه المنطقة مكانة علمية مرموقة لاحتضانها مجموعة مهمة من المدارس العلمية العتيقة التي خرجت عديدا من العلماء الذين ذاع صيتهم داخل البلاد وخارجها. ولأهمية هذا الموروث المادي واللامادي آثرنا القيام بمحاولة لرصد بعض من خصوصيات المشهد الثقافي في قبيلة بني بوزرة والآفاق التي يمكن أن يفتحها للمشتعلين عليه إذا ما تم استغلاله كمورد سياحي في المستقبل القريب.

أولا: التعريف بقبيلة بني بوزرة
– موقع قبيلة بني بوزرة

1- التعريف بقبيلة بني بوزرة:
تقع قبيلة بني بوزرة الغمارية في شمال قبيلة غمارة على الساحل المتوسطي الذي يحدها شمالا. وتحيط بها كل من قبائل بني جرير وبني زيات من الشرق والغرب، وبني سلمان وبني منصور من الجنوب. أما مساحة القبيلة فتبلغ 13500 كلم مربع .

2- نبذة تاريخية عن قبيلة بني بوزرة
ينتسب “سكان قبيلة بني بوزرة تاريخيا إلى عاملها الذي قدم فيما يبدو مع موسى بن نصير أواخر القرن الأول الهجري. وهو أبو بزرى كجمزى. وممن يحمل هذه الكنية يزيد بن عطارد القيسي من التابعين –كما يقول الشيخ مرتضى في التاج (بزر)، وحذف الواو من (أبو) شائع في الاستعمال. وتحمل قبائل غمارة نفس التسمية، أمثال: بني منصور، بني سلمان، بني زجل… وهي جميعها في أصلها البربري تنتمي إلى غمار بن مصمود، ومن أبنائه: نال ويال؛ فتفرع عن يال: بنو بوزرا، وبنو زيات، وبنو سلمان، وبنو منصور؛ وتفرع عن نال باقي القبائل .

3- قبيلة بني بوزرة في الفترة الراهنة
تنتمي قبيلة بني بوزرة حاليا إلى جهة طنجة تطوان الحسيمة، وتتأطر ضمن إقليم شفشاون، وتحديدًا ضمن دائرة بوأحمد، وتضم الجماعة القروية حاليا 15.254 نسمة والمركز يضم 5.043 نسمة فقط.
– موقع الجماعة القروية في الفترة الراهنة:
– الكثافة السكانية في الجماعة:

ثانيا: التعريف بمفهوم التراث وأنواعه

1- مفهوم التراث:
التراث هو ما خلفه الأجداد لكي يكون عبرةً من الماضي ونهجاً يستقي منه الأبناء الدروس ليَعبُروا بها من الحاضر إلى المستقبل. والتراث في الحضارة بمثابة الجذور في الشجرة، فكلما غاصت وتفرعت الجذور كانت الشجرة أقوى وأثبت وأقدر على مواجهة تقلبات الزمان. ومن الناحية العلمية هو علم ثقافي قائم بذاته يختص بقطاع معين من الثقافة (الثقافة التقليدية أو الشعبية) ويلقي الضوء عليها من زوايا تاريخية وجغرافية واجتماعية ونفسية.

– بعض تجليات التراث:
2- مفهوم التراث المادي وبعض مظاهره
أ- مفهوم التراث المادي:
يتمثل التراث المادي في المباني القديمة ذات الطابع التاريخي سواء مدنية كانت أو دينية وعسكرية وكذا المدن والمواقع الأثرية والكهوف والمغارات المهيأة، فالتراث المادي هو كل المنشآت والمعالم التي أنشاها الإنسان ولها قيمة تاريخية أو فنية أو أدبية أو دينية تستوجب الحماية والتثمين.

ب- بعض مظاهره:
لتبيين بعض مظاهرة التراث المادي، قمنا بإدراج بعض المعالم والمناطق المشهورة في منطقة الشمال المغربي، والتي اكتست أهمية سياحية في الآونة الأخيرة، وخاصة في إقليم شفشاون وأحوازه الساحلية والداخلية.

3: التراث اللامادي وبعض مظاهره
أ‌- مفهوم التراث اللامادي:
هو الممارسات والتصورات وأشكال التعبير والمعارف والمهارات – وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية – التي تعتبرها الجماعات والمجموعات، وأحيانا الأفراد، جزءا من تراثهم الثقافي. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلا عن جيل، تبدعه الجماعات والمجموعات من جديد بصورة مستمرة، بما يتفق مع بيئتها وتفاعلاتها مع الطبيعة وتاريخها، وهو ينمي لديها الإحساس بهويتها والشعور باستمراريتها.

ب- أهمية التراث اللامادي:
التراث المادي له من الخصوصية ما يفرض علينا أن توليه أهمية خاصة، فيمثل ما هو سهل وسريع التلف، ونقصد بذلك العادات والتقاليد لما تحمله هاتان الكلمتان من معان سامية تحضنها التقاليد الشفوية من حكم وأمثال من شعر ملحون وموشحات ومن مقاطع موسيقية غير مكتوبة وعادات اجتماعية وأخلاقية، ويتعلق الأمر كذلك بالمعارف المرتبطة بالمهن القديمة.

ت: بعض مظاهر التراث اللامادي
للتراث اللامادي عدة مظاهر، نذكر من أهمها الرقصات الشعبية، والأغاني الشعبية الجبلية والصحراوية والريفية وكذا الأطلسية وغيرها، بالإضافة على الملابس الخاصة بكل منطقة، والتي تختلف باختلاف أصول وانتماءات ساكنة المنطقة.

ثالثا: التراث المادي واللامادي قبيلة بني بوزرة وبعض من مظاهره
تعتبر قبيلة بني بوزرة من أهم القبائل الغمارية التي تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث جعل منها موقعها الاستراتيجي قبلة للعديد من الحضارات الوافدة (القرطاجيين، الفنيقيين، الوندال، القوط، الرومان، المسلمين، الزنوج، الأتراك …) التي تركت بصمات واضحة على نمط البناء والثقافة والدين.
تزخر قبيلة بني بوزرة الغمارية بتراث مادي ولامادي متنوع، فالقبيلة كانت ومنذ القدم محج عديد من الحضارات كما أسلفنا، لهذا تركت بعض البصمات الباقية وإلى فترتنا الراهنة على مستوى المآثر التاريخية، مثل مدينة تجساس القديمة، وقصر تارغة، ومسجد تاكشوطت وتندمان وغيرها من المآثر التاريخية.

وبخصوص التراث اللامادي الذي تزخر به المنطقة، فإنه وإلى جانب الشلحة الغمارية التي تعتبر من أهم ما تبقى من اللسان الغماري الذي اندثر في أغلب المناطق، فإن للقبيلة موروثا ثقافيا غنيا، يعكس أصالة الساكنة البوزراتية من جهة، ويبين قيم التعايش واللف والمحبة بينهم وبين الوافدين على المنطقة من جهة أخرى. وهذه بعض من مظاهر التراث المادي واللامادي التي تذخر بها المنطقة:

1- التراث المادي في قبيلة بني بوزرة الغماريةّ:
يعتبر الموروث المادي بكل تجلياته كل الأشكال المادية التي يرثها الإنسان عن سلفه، والتي انحدرت إلينا من الأجيال السالفة، وبالتالي فإن كلمة تراث تعني كل ما هو موروث في مجتمع معين عن الأجيال الغابرة: العادات، والأخلاق والآداب، والتعابير، وهذا يعني بالضبط ما تؤديه كلمة تراث” . كما وتشمل أيضا كل المظاهر الطبيعية التي تمثل قيمة مادية، مثل الكهوف والمغارات والمنتزهات الطبيعية والجزر، وكذا المآثر العمرانية التاريخية، وحتى المدن التراثية القديمة، سواء المهدمة، أو التي ما تزال قائمة.

وفي قبيلة بني بوزرة الغمارية مآثر تاريخية من قبيل: مدينة تجساس التاريخية، وكثير من المعاهد الدينية، وقصر تارغة، وزاوية الولي الصالح أحمد الفيلالي المتوفى سنة 1589م، وقصبة سيدي يحيى أعراب على شاطئ البحر، وهو من أهل القرن التاسع الهجري، بالإضافة رأس السريجة المعروف بأغيل، وأغيل بالشلحة الغمارية يعني الجبل الصغير، وهو على شكل سرج، ولذلك يسميه بعضهم رأس السريجة.

كما يوجد في القبيلة الغمارية مناظر طبيعة خلابة، من قبيل نهر بويحيى الذي يخترق قبيلة بيني سلمان وبني زيات وبني بوزرة ليصب في قرية اسطيحة، كما يوجد في القبيلة جبال شاهقة الارتفاع تبلغ حوالي 2200 متر. بالإضافة إلى هذا كله تتوفر القبيلة على عدة مراسي للصيد التقليدي، تضفي على الساحل جمالية ورونقا خاصا. وهذه عينة لبعض ما تزخر به المنطقة من تراث مادي:

أ‌- مدينة تجساس الأثرية:
تقع قرية تجساس بالقرب من قرية ترغة، وهي قرية أمازيغية جبلية تقع شمال المغرب، تحديدًا في ساحل بوأحمد من قرية بني زيات الغمارية، ويقصد به الشيء المنزوع أو المأخوذ بالقوة، ويقصد به أيضا في بعض الأماكن الأخرى الأماكن المخضرة التي تمتد على مد البصر. كانت المدينة موجودة قبل الفتح الإسلامي، ثم أصبحت خاضعة لمملكة النكور ثم الأدارسة، وبعدهم الأمويين ثم المرينيين ثم العزفيين، وَلم تزل عامرة إِلَى حُدُود ثَمَانمِائَة فجلا عَنْهَا أَهلهَا بِسَبَب جور فارح بن مهْدي الْوَالِي عَلَيْهَا من قبل بني مرين فخلت من سكانها وانتقلوا إِلَى الْقَبَائِل وَغَيرهَا. فخربت تخريبا تاما في عهد العزفيين في أواخر القرن التاسع. وتعرف حاليا بالسطحيات . وتنتمي قرية اسطيحة حاليا لإقليم شفشاون، حيث تضم هذه الجماعة القروية حوالي 10044 نسمة، والمركز يضم حوالي 2,221 نسمة، أما عدد الأسر فلا يتجاوز 504 أسرة .

– لصور لمدينة السطيحات الحالية وبعض بقايا الآثار الخاصة بها.
ب- حصن مدينة تجساس:

حصن تجساس بناء مستطيل الشكل، تبلغ مساحته من حيث:
– الطول: حوالي 85 مترا.
– العرض: حوالي 60 مترا.
– سمك الجدار: حوالي المتر.
_ عدد الأبراج: خمسة أبراج، أغلبها تعرض إلى الهدم.
_ البنايات: بناية مستطيلة الشكل، بها عدد لا بأس به من الغرف.
_ تاريخ بناء الحصن: بخصوص المدينة، فهي من أقدم المدن التي تقع على الساحل الغماري، وقد بناها الغماريون في زمن ما، وأطلقوا عليها مسمى تجساس أو تكساس، وتجساس لفظ أمازيغي يقصد به المنطقة الخضراء التي تمتد على مد البصر … أما الموقع الأثري (الحصن) فلا نعرف عن تاريخ بنائه ولا عن ظروف بنائه أي شيء للأسف ….
_ الموقع: يقع الحصن في تربة قبيلة بني زيات الغمارية، وبالضبط في الموقع الأثري لمدينة تجساس، حيث يطل على الموقع القديم للمدينة، وهو موقع لم يبق منه سوى بقايا أسوار وأواني خزفية، ورفات لموتى ربما سقطوا نتيجة الهجمة الاستعمارية على المدينة … كما ويطل الحصن على وادي تجساس من جهة، وقبيلة بني بوزرة من جهة أخرى.

– بعض من مآثر حصن المدينة:

ب‌- بعض من مظاهر التراث المادي في المنطقة:
جامع أحلاوت: يعتبر مسجد أحلاوث ومسجد أناري من أقدم المساجد في قبيلة بني بوزرة، ويشتهر هذا المسجد بكونه من بين اهم المساجد في تخريج طلبة التعليم العتيق من جهة، وتخريج العلماء الكبار الذين اشتهروا في عموم القبيلة من جهة أخرى.

– مسجد أحلاوت الكائن بقبيلة بني بوزرا
ث- ضريح العلامة سيدي أحمد الفيلالي البوزراتي الغماري:
– التعريف بالعلامة سيدي أحمد الفيلالي وموقع ضريحه:
هو أحمد الفيلالي بن محمد بن عبد الرحمان الحسني. يتصل نسبه إلى ذرية المصطفى عليه السلام. له سر وكرامات، وكان ملازما للخلوة متفرغا من أشغاله لذكر الله، أخذ القراءة والعلم والطريقة عن شيوخ شتى. أخذ القراءة عن ابن عمه محمد بن محمد بن إبراهيم الشريف بتافيلالت بجميع أصولها وبجميع الروايات وهو ابن عشرين سنة، ثم لم بلغ عشرين سنة حج بيت الله الحرام وزار المدينة المنورة ومصر وتونس وأخذ من علمائها، ولما امتلأ علما وفقها رجع إلى بلاد غمارة واقام ببني بوزرة، واشتهر بغمارة وعظم بها، فدعا لها بالبركة وصاروا يجعلون له حظا في كسبهم وحرثهم، وكان يوصيهم بطاعة الله ورسوله والأمراء. توفي رحمه الله في سنة: 998هـ/1589م، بقبيلة بني بوزرة الغمارية.

– موسم النيسان الفيلالي:
ويقع ضريح العلامة سيدي أحمد الفيلالي في أعلى قمة بقبيلة بني بوزرا الغمارية، ويحج الناس كل عام لإقامة موسم خاص بالولي الصالح، حيث يعقد في كل سنة موسم كبير يعرف بموسم النيسان، ففي 27 من شهر ابريل الفلاحي تقصد النساء والاطفال الذين لم يبلغوا الحلم من القبيلة المحتضنة والقبائل المجاورة مثل: بني زيات وبني سلمان السفلى وبني منصور وربما بعض القبائل الأخرى، وكان رجال هذه القبيلة يحترمون هذا الموروث الثقافي، حيث يتركون النساء وشأنهن ولا يذهبون إلى الضريح، بل يقومون برعي البقر والمعز بالإضافة إلى أبناء مقدم الزاوية الذين لا يخرجون من البيت طيلة اليوم، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك. ومن العادات التي كانت النسوة يقمن بها في هذا اليوم، هي صلة الرحم والتعارف والمذاكرة، أما الشابات فيقمن بالغناء وضرب الدفوف والرقص. وقد انقرضت هذه العادة بعد استفحال ظاهرة التحرش التي كان يقوم بها بعض الشباب المتهور، حيث قام مقدم الزاوية بإلغاء هذا الحفل النسوي أواخر التسعينيات من القرن الماضي.

2- التراث اللامادي في قبيلة بني بوزرة الغمارية وبعض من مظاهره:
يشمل التراث اللامادي كلا من العادات والتقاليد وأشكال التعبير الحية الموروثة من أسلافنا والتي تم تناقلها بين الأجيال، مثل التقاليد الشفوية وفنون الأداء والطقوس والأحداث الاحتفالية والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون أو المعرفة والمهارات اللازمة لإنتاج الحرف التقليدية، ويوفر التراث الثقافي غير المادي للمجتمعات الإحساس بالهوية والاستمرارية، وهو ما يعزز احترام التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات.

ونجد في قبيلة بني بوزرة الغمارية الكثير من هذه العادات الموروثة عن الأسلاف، ففي كل مناطق بني بوزرة الغمارية يعتد الناس بالموروث الثقافي واللغوي الذي يمثل الهوية الأمازيغية للإنسان البوزراتي، فالساكنة البوزراتية مازالت محافظة على تقاليدها الخاصة، والتي تحضر في مناسبات كثيرة، من قبيل: الأعراس، والمآتم، والختان، والحاكوز، والنسخة، والطبخ، واللهجة والحكايات المتوارثة، وغيرها. ويضمن التراث اللامادي للمجتمع البزراتي الإحساس بالهوية والانتماء إلى المجتمع الأمازيغي املغربي، وهو ما يعزز قيم التنوع والتعدد والاحترام بين ثقافات المجتمع الواحد. وهذه عينة من بعض مظاهر هذا التنوع الذي ما يزال حاضرا داخل المجتمع البوزراتي:

أ: بعض العادات والتقاليد في قبيلة بني بوزرة
– الحاكوز:
هو ما يعرف عندنا برأس السنة الأمازيغية: أو ما يعرف عند باقي أمازيغ المغرب والمغرب الكبير بالحكاوز. ويعتبر هذا العيد من بين أهم الأعياد التي يحتفل بها أمازيغ منطقة غمارة ( سواء المحافظين على لغتهم، أو المستعربين) بالخصوص وباقي أمازيغ الشمال المغربي بالعموم، بعد الأعياد الدينية. لهذا تمارس في هذا العيد طقوس خاصة، تختلف من منطقة إلى أخرى.

ففي 13 يناير من كل سنة -وهو فاتح السنة الفلاحية أو السنة الامازيغية، يحتفل الغماريون بفاتح السنة السنة الأمازيغية، أو السنة الفلاحية، حيث تقسم في هذا اليوم السنة إلى قسمين. وقد ارتبط هذا العيد في عرف الغماريين وباقي المغاربة بالخصب والنماء والمطار، لهذا تختص كل منطقة بنوع معين من طقوس الاحتفال، ففي منطقة قبيلة غمارية تعمد الأمهات إلى صنع أطواق من التين المجفف، والتي توضع في أعناق الصغار صبيحة العيد، كما وتطبخ النسوة صبيحة هذا اليوم الصباح فطائر خاصة تزين باللوز والجوز، مع حبات من ثمار البرتقال والحلوى، بالإضافة إلى طقوس أخرى ترتبط اغلبها بتجهيز أنواع معينة من الأطعمة من جهة، وترديد أهازيج خاصة من جهة أخرى. كما وتتزين النساء بأجمال ما لديهن من ثياب، مع الحرص على وضع الكحل الحجري، والمنديل الغماري الذي يعرف في المنطقة بأتزار.

ب- المطبخ البوزراتي ومميزاته
في المطبخ البزراتي هناك العديد من الأكلات التراثية الخاصة بالمنطقة، وهذا ذكر لبعض منها:

– أكلة بُودْنْ: هي أكلة تقليدية تحضر بالطريقة التالية: يعجن الطحين بالماء والملح ويطلق ثم يطوى على شكل مربع ويقطع بالسكين أو القصبة (القُنُوطَا) على شكل شرائط، ثم تطهى في إناء فيه ماء مغلى بعدها يقدم في آنية من الفخار تسمى (السقاية أو الزلافة).

– أكلة المَنْكُوبْ: هي من الأكلات التقليدية ببن سلمان والتي لم تنقرض لا يزال أهل القبيلة يعدونها في الفترة الحالية وتحضر كالتالي: ينقى الفول جيدا وينزع رأسه تم يوضع في قدرة ماء تسمى (الدِيَابَة) فوق موقد من التراب أو الحجر يسمى (إِيوُدْيَان)، وعندما يطهو يضاف له الملح والشحم عوض الزيت، ويقدم مع الخبز.

– أدشيش: لفظ امازيغي يقصد به الدلالة على أكلة شعبية في قبيلة غمارة يتم تحضير هذه الأكلة الصحية بالطريقة التالية، يتم إحضار الزرع الأخضر ثم يعزل عن جذوره ويسحق جيدا، ثم يوضع في الديابة، ثم تضاف إليه عشبة “تفركلا” أو “منتا”، حسب نوعية المذاق المحبب، وعندما ينتهون من الطهي يتم تجفيفه من الماء ثم يوضع في “أوديدي أو أدكداك “، وعند الانتهاء من هذه العملية يتم تصفيته وتنقيته، ثم يأخذ إلى المطحنة التقليدية التي تعمل باليد وتسمى “الرحى”، بعد طحنه يقومون بطهيه مرة أخرى في الماء المغلي، و يضاف له القليل من الملح والحليب أو قليل من زيت زيتون، وفي بعض الأحيان يقدم مع اللبن، وهذه الأكلة لها مذاق خاص حسب الرواية الشفهية لسكان المنطقتين ولها منافع كثيرة، كلما مرض شخص ما ينصحه أهل القبيلتين بأكل الدشيش.

ت- الموروث اللغوي الأمازيغي في قبيلة بني بوزرة
تحتفظ قبيلة بني بوزرة –وبشكل استثنائي- بازدواجية لغوية فريدة، فهي إلى جانب تحدث أهلها باللسان العربي الدارج، يتقن معظم الأهالي في قبيلة بني بوزرة اللسان الغماري الذي يصطلح عليه حاليا بالشلحة الغمارية. والشلحة الغمارية من الفئات اللغوية الأمازيغية المهددة بالانقراض في الفترة الراهنة.

لا شك في أن منطقة قبيلة بني بوزرة بالخصوص ومجموع باقي القبائل الغمارية كانت تتحدث الشلحة الغمارية سابقا، إلا أن زحف اللهجة الدارجة على معظم مناطق الريف الغربي عجل بانحصار اللغة الأمازيغية تدريجيا، ليقتصر في الأخير تداولها على مناطق محددة، منها جزء مهم من قبيلة بني بوزرة، وجزء صغير من منطقة بني منصور الغمارية.

وكما سبق لنا الإشارة إليه، فاللغة الأمازيغية في قبيلة غمارة حاليا مهددة بالاندثار، فقد صنفت حسب منظمة اليونيسكو من الفئات اللغوية المهددة بالاندثار إذا لم تتدخل الدولة بشكل عاجل قصد إنقاذها، وذلك بتدريسها في المؤسسات التعليمية من جهة، وإدخالها تدريجيا ضمن القنوات الإعلامية، بالإضافة إلى ذلك وجوب محافظة الأهالي في قبيلة بني بوزرة وغيرها على هذا الموروث اللغوي الهام.

تحظى قبيلة بني بوزرة كما أسلفنا بموقع جغرافي استراتيجي ومتميز جعل منها قطبا سياحيا في وقتنا الحاضر، وجعل منها ممرا للعديد من الحضارات المتعاقبة إما على حكم المغرب، أو التعامل مع شعوبها الأصلية، وقد تركت الشعوب المستعمرة أو المنفتحة على هذه المنطقة إرثا تاريخيا مميزا تفاعل إلى جانب الموروث الأمازيغي المحلي ليعطي لنا منتوجا متعدد المشارب.

وبناء على ما سبق لنا ذكره، يمكن لنا القول بأن الموروث المادي واللامادي في قبيلة بني بوزرة الغمارية ثري جدا، إلا أنه في الفترة الراهنة مهدد بسبب عدة عوامل داخلية (عدم الاهتمام بالموروث الثقافي، إهمال المآثر التاريخية، عدم اهتمام الساكنة بالموروث اللغوي والعلمي الذي ميز تاريخ المنطقة منذ القدم) وخارجية (العولمة، وسائل التواصل الاجتماعي …)، وإن لم يتم تدارك هذا الخطر الذي أصبح يهدد الهوية الثقافية للساكنة المحلية، فإن عديدا من هذه الخصوصيات التي عمرت لملايين السنين ستذهب هباء منثورا مع الأيام.

إلا أننا في الأخير لنا ثقة في الأجيال القادمة، والتي نأمل بان تكون لها غير كبيرة على منطقتها بالخصوص، والمنطقة المغربية بالعموم، فالنهضة دائما تنطلق منذ بناء الذات والاعتزاز بها وبهويتها، ثم تنطلق لتشمل الوطن الذي هو المبتغى والهدف من هذه النهضة التي نريد.

د. موسى المودن – الشاون24

 

Loading...