ads x 4 (3)
ads x 4 (4)

لهذا أنتحر!!! أغنية الوداع… (الجزء الثالث)

يتوجه إلى البيت وعاطفته منهارة وروحه تعبانة، ينام ليستيقظ في اليوم التالي وهو مصمم على شيء واحد فقط، معاقبة اﻷخت، بالضرب، بالقتل، بالكلام، بالحنان، بكل ما يجعل نار الغيرة تخمد، ليهدأ ويرتاح، يبحث عنها فيسمعها تغسل اﻷواني في المطبخ، يقبل عليها بوجه من ينوي سوءا، ولكنها تلاطفه على عادة حب اﻷخت وحنوها “صباح الخير ياكسلان، انتظر قليلا حتى أهيئ لك وجبة الفطور”. ولكنه يجيبها بصفعة وهو يصرخ “صباح الزبل واش مكتحشمشي العاهرة” وقد تحول فجأة إلى ثور هائج مسعور فحطم اﻷواني وخرب المطبخ وتركها ملقاة على اﻷرض وخرج.

يعود في المساء ليجد اﻷم تبكي بجانب ابنتها وهي ملقاة فوق السرير كأنها جثة فارقتها الروح، لم ينج من توبيخ اﻷم بالصفع والسب، وقد صبت عليه من اللعنات ما يغرق إبليس اللعين، وهي تأمره بالرحيل، فهو لئيم كأبيه، هكذا قالت اﻷم (يعيش الاب مع زوجة أخرى).

في ذلك اليوم كانت اﻷخت قد حاولت اﻹنتحار، ولكن شاءت اﻷقدار أن تنقذها اﻷم في آخر اللحظات، عندما عادت من دوامها. وذاك يوم تعيس ونهار مشؤوم.

يخرج عزيز من البيت كما خرج البارحة من المقهى، مثقلا بشرف نجس، وأخت عاهرة، واﻷم قوادة، “هكذا فكر”. كان الظلام قد ادلهم واشتد سواده وسلك عزيز طريقه فغاب في الظلام. أصبح عليه الصباح في بيت جدته وحكى لها ما كان، فتأسفت وحزنت لحاله وﻷمه وأخته، يقضى مدة مع جدته والفكرة تكبر في دماغه يوما بعد يوم، ولا يجد فرصة إلا وهدد بإنهاء حياته والقضاء عليها، كان السخط قد تملكه والغضب بلغ منتهاه وبدأ يفقد عقله شيئا فشيئا، فأصيب بلوثة في عقله جعلته يفقد صوابه تماما، ونادرا ما كان يعود إليه عقله.
وفي ليلة طرق باب جدته ففتحت له مفزعة، بث إليها برعبه وخوفه من المنام لوحده ﻷن الغرفة أصبحت مخيفة، -ترى ما الذي كان يخيف عزيز، ومن كان يزوره في الليل- وطلب منها السماح له بالمبيت معها.

في صباح اليوم التالي ذهب إلى السوق اﻷسبوعي لمنطقته وقادته رجلاه إلى حيث تعمل اﻷم، دون وعي منه، ولكنه وجد نفسه واقفا أمامها وهو يقبل يدها ويطلب منها المغفرة، دهشت أمه لحاله، فالرجل كان حانقا وقد سيطرت عليه كراهية تجاههما لكنه اليوم يبدوا مختلفا وبقلب اﻷم الحنون تعد فلذة كبدها بعرضه على الطبيب يوم اﻹثنين فيجيبها منقادا لكل أوامرها ويبدو عليه الوهن والخنوع “يوم اﻹثنين إذهبي بي حيث شئت ياأمي” ثم يهم مغادرا وهو يطلب منها نقل سلامه ومودته إلى أخته. يتوجه إلى حيث تباع الملابس الدينية فاقتنى طربوشا وعباءة وسروالا وعاد إلى بيت جديته.
كان الوقت يشير إلى الغروب منظر حزين على اﻷرض وأشعة الشمس تغادر وهي ترسم صورة حمراء تعطي شعورا بالكآبة، بعدما استحم عزيز لبس الجديد وقد استغربت جدته من حاله وهي تطلب الله في قلبها أن يجعلها بداية سعيدة في حياة حفيدها، وبعدما أذن المغرب خرج من البيت خلسة لتأدية فريضة أخيرة ولكن هذه المرة استعان بحبل ليجعل منها فريضة تليق بطقوس النهاية.
والتكفير عن ذنب كهذا لا يكون إلا بالموت ﻷن الحياة تستحيل معه. وكيف يكفر عن ذنب ارتكبه غيره؟!، ولكنها الغيرة تفعل بأصحابها اﻷفاعيل، كل شيء يهون إلا طعنة في الشرف.
وتسلق شجرة البلوط وربط الحبل في غصن ثم لف طرفه اﻵخر حول عنقه وقد شده جيدا حتى لا ينفلت، ورمى نفسه في تلك الهوة السحيقة، ولكنه لم ينزل إلى القاع، بل بقي معلقا والرياح تلعب به وهي تغني أغنية الوداع، ” أي طرق سلك أي غابة دخل وهناك في أعلى الجبل بيت مهجور فيه عصفور بلا صوت يردد هكذا رحل هكذا رحل…”.
أصبحت اﻷيام بعده مظلمة كأن شمس ذلك اليوم قد وعدت “عزيز” بأنها لن تعود بعد رحيله. بلا همس ولا ابتسامة ترقد اﻷخت في زاوية بالبيت وقد أصبح مكفهرا وهي على خطى “عزيز” سترحل يوما، واﻷم المكلومة واجمة وقد فجعها الدهر في وحيدها فلا هي راضية ولا هي ساخطة، والقدر ماش في سرد حكاية تعيسة…
فمن قتل عزيز؟ ومن طرد الشمس؟ ومن أطبق الصمت في البيت؟ ومن أخذ الحياة منه؟ وهل نسمعه يوما وهو يردد ذكريات مضت؟ “صباح الخير ياكسلان…”

ياسين بوزيد/ الشاون24

Loading...