كان عزيز عشية ذلك اليوم في المقهى يشاهد في حماس فريقه المفضل كما يفعل دوما، إنتهت المباراة واستأنف جلوسه مع أصدقائه، وفي نشوة اﻹنتصار يسلكون كل السبل للتعبير عن رضاهم بأداء فريقهم.
عزيز فتى مراهق انقطع عن الدراسة منذ مدة ورغم محاولات أمه المطلقة في سبيل اقناعه بالعودة، إلا أنه فضل اﻹنسحاب من عالم المدرسة الذي كان يراه سجنا يقيد مواهبه وقدراته، لكن أخته استطاعت اﻹندماج في المدرسة على خلافه، وفضلت متابعة بحثها عن مستقبل يعفي والدتها من العمل في بيوت الناس كطباخة أو كغاسلة للثياب أو (كمجففة للبيوت) .
وبالتأكيد كان عزيز قد لاحظ اختلافا في نبرة أصدقائه وهم يضحكون، لم يكن من السهل عليه تجاوز لحظته خاصة وأن المقهى كانت قد فرغت تماما إلا من اصدقائه وبعض العابثين أمثاله، وازداد اﻷمر تأكيدا لعجزه عن فهم اﻷمور حين سمع أحدهم يهمس في أذن رفيقه قائلا “ربما من الحكمة إخفاء اﻷمر عليه”. إلا أن الرفيق لم يكن قد تخلص من شقاء الصبا بعد، فأصر على فضح اﻷمور للسخرية منه أولا و”لمحاربة المنكر ثانيا”.
ومن عادة “جبالة” حرصهم على مبدأ أغلى من حياتهم ويسمى عندهم “الشرف”، تشير هذه اللفظة عادة إلى اﻷنثى مجسدة في “اﻷم/اﻷخت/الزوجة/البنت” والجبلي إنسان متشبع بثقافته، هذه الثقافة التي تجعل من اﻷنثى “جوهرا” ثمينا يجب حمايته، فهو ربما يتنازل عن كل شيء عدى عن جوهره، ﻷن اﻷنثى عندهم تمثل المركز الذي تدور حوله العائلة، تلك هي اﻷنثى في عقيدة “جبالة”، واليوم أجدني مجردا من قواي وذلك من تعاسة القصة التي استحوذت علي وملكت صوابي، فلم أقو على تدوين حروف ترسم خارطة هذه الصورة المظلمة لواقع قد تغير، وهذا أدعى على اﻹحباط عند الجبلي من نهاية العالم؟ فأين وقع التغيير؟! مجبر أنا على كتابتها، وقع التغيير في “الجوهر”، ربما لم يعد ثمينا.
وكتمهيد لﻷمور ينطق أحدهم مخاطبا “عزيز” شهيد الشرف قائلا؛ بأسلوب فيه تعجب مخلوط باليقين ” ألم تسمع شيئا”؟! وتابع “كل الشباب على علم باﻷمر” يزداد عزيز دهشة من أصدقائه، ويطلب منهم تبسيط اﻷمور، فبادره أحدهم مستعجلا وأعطاه الهاتف. نظر عزيز فتوقف الريق في حلقه، وتمنى لو يختنق إذ ذاك، أو تنشق اﻷرض فتبلعه، أو تتفتح السماء فيصعد إليها، أو يتحول المقهى إلى هوة سحيقة يهوى فيها، يبدوا أن “عزيز” رأى شيئا مهولا، يظهر فزعه باديا على محياه الذي تغشته كآبة سوداء خيمت عليه، فامتقع لونه وأرسل شهقة وهو يبكي بحزن وقالها “حشوما عليكم” وانصرف.
تسيل دموعه كخيوط من مطر وهو ينزل السلالم ولا يكاد يبصر الطريق من كثرة عبراته، فيتعثر ويسقط متدحرجا حتى القاع، يقف لتوه ويمشي في عجلة متجاهلا الدماء وهي تنساب على خده، والريح تلفحه في غير رحمة، كان مراده في تلك اللحظة أن يخلو بنفسه، فانغمس في الظلام ووقف يسترجع ما حدث عله يستوعب اﻷمر ويفهمه في تأن بعيدا عن عيون رفاقه التي كانت تبدوا كأسنان حادة تأكل من شرفه وتلتهمه دون هوادة.
نعم إنها هي صورة أخته ظهرت على شاشة هاتف الصديق. وطبعا ليس هناك أقسى من هذا المشهد على اﻹطلاق، ربما من ليس مسلما سيرى في اﻷمر مبالغة ولكنها ليست كذلك خاصة عند اﻹنسان الجبلي.