تقع مدينة ترغة شمال مدينة تجساس (اسطيحة) على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، تبعد عن المضيق بنحوثمانين ميلا. ويقال إن المدينة من بناء القوط الإسبان، إلا أن اسمها يوحي بأنها من بناء السكان المحليين الأوائل،ولفظ ترغة يعني بلغة الأمازيغ الغماريين القدامى الحامية أو المحترقة. وهناك من يذهب إلى إعطاء اللفظ معنىالساقية (ولعله الصواب والله أعلم). كانت المدينة مركزا رومانيا قبل الدخول الإسلامي، وبعد الدخول الإسلاميصارت رباطا للمجاهدين ومركزا للتعليم الديني.
تعرضت المدينة الصغيرة إلى هجمات كثيرة من طرف المحتلين الإسبان والبرتغاليين، مما تسبب في ضعفتحصينها، وبالتالي تراجع تماسك أسوارها بالجملة بسبب الهجمات المتكررة عليها، فأخذت تنحط سواء في مظهرهاأو في عدد سكانها. وتوجد في ضواحي المدينة غابات تغطي جبالا وعرة وباردة، وأهل هذه البلاد خشنون في طبعه،ولكنهم رغم ذلك شجعان.
اشتهر أهل مدينة ترغة خلال هذه المرحلة من القرن 15 الميلادي بممارسة القرصنة أو الجهاد البحري ضد الأساطيلوالسفن الأجنبية، وخاصة الإسبانية والبرتغالية منها، حيث قام أمير تلك الناحية المولى اعلي بن راشد الغماريمختط مدينة شفشاون ومجدد مدينة تطوان بإنشاء قاعدة بحرية في المدينة بداية القرن الخامس عشر الميلادي،حيث جعلها قاعدة لجيشه البحري، فنشطت بذلك حملات الجهاد البحري، وأنشطة التجارة، وصار ميناء ترغة ينافسميناء مدينة تطوان في أهميته.
وتتوفر المدينة كثير من المآثر التاريخية المهمة، فإلى جانب الميناء الذي اشتهرت به مطلع القرن 15 الميلادي، (لميبق من أثره سوى برج مبني على صخرة تسمى بصخرة لا إلاه إلا الله) توجد القلعة المعروفة بدار السلطان، ثم البرجالمنيع فوق صخرة كبيرة سوداء تعلو عن سطح البحر حوالي 15 مترا تقريبا، كما يوجد بالمدينة مسجد ترغة التاريخ،والذي يعود حسب بعض المصادر التاريخية إلى فترة الفتح الإسلامي، ويقال أن عقبة ابن نافع الفهري هو أول من بنىهذا المسجد، ويحتل المسجد مساحة تبلغ 516 مترا مربعا، يمثل أحد النماذج العريقة للعمارة الدينية التي تميزالبوادي المغربية كما يشهد على ذلك تصميمه الهندسي، حيث تتوزع مرافق المسجد بين قاعة للصلاة، وصحنوصومعة مربعة الشكل وكتاب قرآني وميضأة ومقصورة خاصة بالإمام.
وقد أعلنت وزارة الثقافة والاتصال (قطاع الثقافة) مؤخرا عن تقييد مسجد ترغة التاريخي، الذي يعود للفترةالموحدية والمتواجد بجماعة تزكان بإقليم شفشاون (جهة طنجة تطوان الحسيمة)، ضمن لائحة التراث الوطني. وقدصدر بالجريدة الرسمية عدد 6749 بتاريخ 04 فبراير 2019 مرسوم تم بموجبه تقييد مسجد ترغة، وذلك تبعا لقرارالسيد وزير الثقافة والاتصال رقم 3431.18 بتاريخ 5 ربيع الأول 1440 (13 نونبر 2018).
ويدخل مسجد ترغة التاريخي ضمن المنشآت التي كانت تشكل الحاضرة الإسلامية المندثرة ترغة، الواقعة علىشاطئ بني زيات، (ستون كلم جنوب شرق مدينة تطوان)، والتي أدت دورا كبيرا خلال الفترة الوسيطية كمرسى للتبادلالتجاري والاقتصادي بين منطقة غمارة شمال المغرب وجنوب الأندلس من جهة، وكقاعدة بحرية خاصة بالأسطولالترغي من جهة أخرى.
وقد كان ميناء مدينة ترغة البحرية خلال القرن الخامس عشر الميلادي يتوفر على أسطول بحري قوي تمكن أفرادهالمدربون على القرصنة أو الجهاد البحري من تكبيد المحتلين خسائر جسيمة جعلتهم يشنون هجمات متكررة علىالمدينة انتهت بإحراق عديد من السفن والأماكن الخاصة بصيانة السفن، وحتى البيوت القريبة. ولا شك أن الأسطولالبحري الفعال في العصر الوسيط كان يحتاج إلى عدة شروط، بداية من التمويل، وانتهاء بالرجال المدربين الأقوياء،وهذا لم يكن ينقص كثيرا أمير رباط شفشاون (اعلي بن راشد)، بل كان النزوح الكبير للأسر الأندلسية الفارة من جحيمالمحاكم والقتل أكبر داعم لهذا المشروع الكبير. فبحكم خبرت هؤلاء الأندلسيين في مجال الملاحة وصناعة السفن،تمكن الأمير من بناء وحدات أسطولية فعالة، طعمتها خبرة البحارة الغماريين من ميناء ترغة، فكانت بنية الأسطولالترغي تتكون ما يلي:
– الرجال: لا شك أن تعداد الرجال في قاعدة ترغة الساحلية كان كبيرا، لأن الأسطول الحربي دائما يستعين بهؤلاءالرجال في إصلاح السفن، وبناءها، وكذا تعبئتها بالمواد اللازمة. ناهيك عن ضرورة وجود أشخاصا ذوي خبرة فيمجال الملاحة، ولهم دراية بعوالم البحر، وإلا فإن الأسطول لن يكون له أي فائدة.
كان الأسطول الترغي مجهزا بقوة بشرية مهمة، تراوحت أدوار هذه القوة حسب المهام المنوطة بهم، وبما أن تعددالسفن التي كانت توجد بميناء مدينة ترغة الساحلية يناهز، “خمسين قطعة بحرية” ، فإن الأكيد أن عدد الرجال كانيفوق ألف رجل، ما بين بحار، وفارس، وتاجر، وغير ذلك.
– العتاد الحربي: بما أن الأسطول البحري دائما يحتاج إلى عتاد حربي مهم، فإنه لم ترد نوعية التسليح التي كانتتحظى به السفن الترغية. إلا أنه ومن الأكيد التنويه بأن الأسطول البحري إن لم يكن متفوقا في التسليح لن يتفوق فيالهجوم. لهذا لابد أن تكون بنية تسليحه تضم مدافع، وبنادق، وأيضا مقالع، وأدوات للصيانة، وغيرها مما يحتاجهالبحارة في حروبهم.
– السفن الحربية: بما أن قاعدة ترغة البحرية كانت مجالا مهما لكل الأعمال، سواء الحربية، أو الاقتصادية، فإن أدوارالسفن وأنواعها، ستختلف حسب الأعمال المنوطة بها، إلا أن ما تركته لنا المصادر تؤكد وجود سفن للتجارة، والصيد،والقرصنة، فكان تعداد هذه السفن يتراوح حسب الفترات الزمانية. والمصادر التي تذكر تعداد السفن في ميناء ترغةهي المصادر البرتغالية، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالهجوم على الميناء، ومن عدد السفن المسلوبة يتبين لنا عددالسفن وتجهيزاتها.
ففي “سنة(1481م) كان تعداد السفن التي أحرقت من نتاج الحملة البرتغالية، أكثر من 25 سفينة بحرية، إلا أنه وبعدهذا الهجوم المباغتة تمكن أمير شفشاون، من تعويض الخسائر التي مني بها في الحملتين المذكورتين، حيث أنهأصبح سنة (1502م) يتوفر على أسطول بحري يتكون من خمسين سفينة، منها ما كان في ملكه الخاص، ومنها ما كانيملكه الخواص” .
صيانة السفن: لا شك أن لكل قاعدة بحرية أماكن لصيانة السفن وتعديل أعطابها، وتواجد خمسين سفينة، غيرالقوارب وسفن الصيد الصغيرة، لابد وأن تحتاج إلى مراكز لصيانتها وتعديل أعطابها. والجدير بالذكر أن فعاليةالأسطول الترغي كان مؤرقا للبرتغاليين والإسبان معا، وأن تواجد العثمانيين في البحر الأبيض المتوسط زاد منفعالية الأسطول البحري ومن قوته، وهذا أوجب وجود “ترسانة لصنع السفن وإصلاحها بقرية ترغة“.
– الطاقم العام للأسطول: لم تذكر لنا المصادر التاريخية تعداد الطاقم العام للأسطول، لكنها اشارت إلى بعض الأمورالتي لها علاقة بالأمر، حيث أن تعداد قتلى البحارة في “مرسى ترغة (200 بحار)” يشير إلى وجود طاقم مهم يتكونمنه الأسطول الحربي وكذا التجاري، أضف إلى ذلك البحارة التقليديون الذين يمارسون مهنة الصيد.
– الهجمات البرية والبحرية على القوات البرتغالية:
بعد تأسيس رباط مدينة شفشاون وباقي الرباطات الأخرى، بالإضافة إلى تأسيس الأسطول الترغي وقاعدته البحريةفي مدينة ترغة، انطلقت الهجمات البرية والبحرية من طرف الجيوش الغمارية الراشدية على المراكز البرتغالية،وهذه أهم الهجمات القوية على المراكز البرتغالية:
– في “سنة908هـ غزى مولاي اعلي بن راشد أصيلا” .
– في “سنة 908هـ غزى ابن رشد مدينة أصيلا في شهر ذي الحجة 908ه“ـ .
– في “سنة 910هـ غزى ابن راشد مدينة أصيلا في شهر ذي الحجة من سنة 910ه“ـ .
– في “سنة 914هـ غزى ابن راشد مدينة أصيلا وفيها حوصرت بادس والحصن المجاور لها” .
– في “سنة 915هـ غزى ابن راشد مدينة طنجة. وفيها حوصرت مدينة أصيلا من يوم 23 ربيع الأول إلى 15 جمادىالأولى سنة 915ه“ـ .
– في “سنة 916هـ غزى ابن راشد مدينة أصيلا في شهر ربيع الثاني 916ه“ـ .
– في “سنة 917هـ غزى ابن راشد مدينة أصيلا، وفيها أيضا حوصرت مدينة أصيلا في جمادى الأولى، وفي رجب منهاحوصرت مدينة طنجة” .
– في “سنة 918 حوصرت مدينة أصيلا، وذلك في شهر المحرم، وفيها أيضا غزى ابن راشد مدينة أصيلا في شهر ربيعالأول، وفي نفس الشهر حاصر مدينة طنجة، ثم غزى مدينة سبتة في شهر رمضان” .
– رد فعل القوات البرتغالية والإسبانية على الهجمات الراشدية.
لم تقف القوات البرتغالية أمام الهجمات الراشدية مكتوفة الأيادي، إذ سرعان ما جهزت حملات بحرية وبريةلمواجهة هذا الخطر المتسارع، ففي فترة زمنية صغيرة، صعدت القوات الغازية من حملاتها الانتقامية لتصل إلىأكثر من خمسين حملة صليبية، وهذه أبرز الحملات الصليبية على السواحل والمراكز والمدن والقرى المغربية :
الرقم الترتيبي سنة الهجوم على المراكز المغربية القوات المهاجمة المراكز المقصودة بالهجوم
1) 1415 برتغالية سبتة
2) 1437 برتغالية طنجة
3) 1458 برتغالية القصر الصغير
4) 1463 برتغالية طنجة
5) 1464 برتغالية طنجة أصيلا
6) 1469 برتغالية أنفا
7) 1471 برتغالية أصيلا طنجة
8) 1481 برتغالية ترغة
9) 1489 برتغالية جزيرة المنليحة
10) 1491 برتغالية ترغة
11) 1502 برتغالية ترغة
12) 1517 برتغالية ترغة
والملاحظ من الجدول التالي، أن أغلب الهجمات التي شنتها القوات البحرية والبرية البرتغالية كانت تستهدفالمراكز الساحلية المهمة، والتي تتواجد فيها الأساطيل الجهادية، لهذا نرى توالي الحملات البحرية المتوالية علىميناء ترغة، الذي كان قاعدة للجهاد البحري.
موسى المودن – الشاون24
