ads x 4 (3)
ads x 4 (4)

الرقمنة بين الحلم والواقع: المغرب يسير بخطى متباينة

في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا بخطى لا ترحم، وتتحول الرقمنة إلى لغة جديدة للحياة والإدارة والتعليم، يجد المغرب نفسه أمام سؤال جوهري: هل نحن جاهزون حقًا لعصر الرقمنة، أم أننا لا زلنا أسرى أساليب تقليدية تعيق تقدم مؤسساتنا؟

لقد أطلقت المملكة رسميًا شبكة الجيل الخامس (5G) في نوفمبر 2025، في خطوة مهمة ضمن مسار التحول التكنولوجي. فقد بدأت شركات الاتصالات الكبرى:
– Maroc Telecom _ Orange _ Inwi –
تشغيل خدماتها في المدن الكبرى والمطارات، ضمن خطة وطنية تهدف إلى تغطية 45% من السكان بحلول 2026 و85% بحلول 2030، باستثمارات تتجاوز 80 مليار درهم بتمويل مشترك بين القطاعين العام والخاص.

هذه الخطوة تأتي منسجمة مع الرؤية الملكية الواضحة في أكثر من خطاب، فقد دعا جلالة الملك محمد السادس إلى:
“اعتماد التكنولوجيا الرقمية كوسيلة لتعزيز الحكامة والشفافية، وتحسين جودة الخدمات العمومية وتيسير الولوج إليها”، مؤكدًا أن “مستوى التنمية المحلية هو المرآة الحقيقية لتقدم المغرب الصاعد.”
كما شدّد جلالة الملك في مناسبة أخرى قائلاً: “لا مكان اليوم ولا غدًا لمغرب يسير بسرعتين”، في إشارة واضحة إلى رفض أي تفاوت في التقدم بين المدن والمناطق القروية، وحرصه على أن يكون التحول الرقمي والتنمية شاملة وعادلة لكل المواطنين.

وفي هذا السياق، أُطلقت استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، التي تهدف إلى جعل المملكة مركزًا إقليميًا للتحول الرقمي في أفق سنة 2030. وتسعى هذه الاستراتيجية إلى رقمنة الخدمات العمومية، وتوسيع شبكات الألياف الضوئية والاتصال في العالم القروي، وتدريب الكفاءات الرقمية، لضمان أن يكون المغرب جاهزًا للتحديات التكنولوجية والإدارية المستقبلية.

لكن بينما تبدو الأرقام والمشاريع طموحة على الورق، فإن الواقع اليومي للمواطن المغربي — خصوصًا في القرى والمناطق الهامشية — مختلف تمامًا. سرعة الإنترنت متقطعة، والبنية التحتية في كثير من المناطق تبدو كما لو كانت من زمن آخر. لا كهرباء مستقرة، ولا طرق معبدة، ولا شبكة اتصالات تليق بالحديث عن “التحول الرقمي”. كيف يمكن أن نتحدث عن تعليم رقمي أو تطبيب عن بعد، بينما الطفل في قرية جبلية لا يجد حتى إشارة هاتف لإجراء مكالمة؟

ففيما تتحدث الدولة عن الجهوية المتقدمة وتوزيع المسؤوليات، يظل واقع الخدمات مركزًا في المدن الكبرى. ورغم الجهود الرسمية، ما تزال الفجوة بين الخطاب والواقع عميقة، كالمسافة التي تفصل قرية معزولة عن أقرب نقطة اتصال بالعالم.”

إن التحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد الأبراج ولا بسرعة الشبكة، بل بمدى شعور المواطن — أينما كان — أن له نصيبًا من هذا المستقبل. الرقمنة ليست رفاهية حضرية فحسب، بل حق من حقوق كل مواطن في هذا العصر، ورافعة لا غنى عنها للعدالة الاجتماعية والمجالية.

ورغم خيبة الواقع، يبقى الأمل ممكنًا. فما زال في هذا الوطن طاقات مؤمنة، تعمل بصمت، وتحلم بمغربٍ متصلٍ لا فقط بشبكات الإنترنت، بل بروح العدالة والتكافؤ. فبين المركز والمغرب العميق مسافة ضمير، لا تُقاس بالكيلومترات بل بتفاوت الفرص والخدمات، وإن كان العالم يركض، فنحن لا زلنا نملك القدرة على اللحاق به — شرط أن نبدأ الركض بصدق وإرادة، لا بخطابات ومؤتمرات؛ إذ يبقى الأمل قائمًا، فكل مواطن له حق في المستقبل الرقمي وقبل ذلك له الحق الحياة الكريمة. يجب أن يكون المواطن الذي يعيش في عزلة جبال المغرب متساويًا مع أخيه القاطن بالرباط؛ كما يحق للتلميذ في المدارس العمومية أن يجلس على طاولة نظيفة، في قسم دافئ، وينطلق إلى مدرسته في طريق معبدة في حافلة مجهزة كما يفعل تلميذ في أي مدرسة خاصة ويحق للمرأة القروية أن تنفتح على العالم، لتربي أطفالها بوعي، ولتشارك في تنمية مجتمعها.

فإذا كنا نطمح إلى مغرب رقمي يواكب تقدم الأمم، ينبغي أولا أن نتوقف عند واقع المواطن المحاصر في الجبال، الذي يظل متفرجًا على عالم حضري يتقدم أمامه، بينما يُحرم من أبسط حقوقه.”
ولا يجب أن يكون الحديث عن الرقمنة مجرد شعار، قبل أن تتوافر بنية تحتية قوية من مرافق صحية، وتعليم متين، وخدمات إدارية فعّالة، فالأجهزة والإنترنت وحدها لا تضمن عدالة ولا تحقق المساواة بين المواطنين.

إذا عندما يمتلك كل فرد، في كل قرية وجبل ومدينة، القدرة على الولوج إلى المعرفة والخدمات، عندها فقط سنتمكن من اللحاق بالعالم المتسارع، ونحوّل طموحات المغرب الرقمي من خطاب إلى واقع ملموس، ينبض بالحياة والفرص للجميع.

 د.سكينة أكذي – الشاون24

Loading...