في قلب جبال شفشاون، حيث تتنفس القرى عبق التاريخ والدين، تبرز أزمة صامتة بين الأئمة ورواد المساجد. ورغمأن مظاهر هذه الأزمة تختلف من مسجد إلى آخر، إلا أن جوهرها واحد: (قلة الوعي وقلة الشغول مصيبة.)
يرى بعض الناس أن الإمام يتقاضى أجرة من وزارة الأوقاف، وبالتالي لا ينبغي منحه ما يُعرف بـ“النوبة والشرط“، وهوعرف قديم جدًا. غير أن هذا العرف يُعد من التقاليد الجبلية العريقة التي ساهمت في تحفيظ القرآن الكريم للطلاب،ويُعتبر دليلًا على كرم أهل جبالة وحرصهم على العلم والعلماء. قبل أن يتحول إلى عرف، كم من شاب أصبح عالمًابفضله، وعلى أقل تقدير، صار إمامًا لمسجد.
قبل ظهور المدارس النظامية، كان أهل القرى يتحمّلون تكاليف طلاب العلم من مأكل وغيره، رغم فقرهم المادي، إلاأنهم كانوا يجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. كانوا يُكلّفون أنفسهم فوق طاقتهم خدمةً لطلاب العلم،فكانوا مثالًا في الكرم. فأين نحن اليوم من ذلك الفعل الخيّر؟
والرأي الذي يُنكر هذا العرف هو رأي فاسد في جميع الأحوال، إن إنكار هذا العرف لا يُعد مجرد رأي مخالف، بل هوموقف يُحارب روح الدين، ويُناقض قول الله تعالى:{وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّلَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ} (سورة المنافقون الآية 10)
فالصلاة ليست مجرد حركات يؤديها المسلم في أوقات محددة، بل هي منهج حياة. الصلاة التي لا تنعكس قيمتها فيسلوك المسلم ليست صلاة حقيقية، وإنما طقوس شكلية يؤديها البعض. أما الصلاة الحقيقية فهي تطبيق لقولهتعالى: {آتلُ ما أوحيَ إليك من الكتابِ وأقمِ الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاءِ والمنكرِ ولَذِكرُ الله أكبر واللهُ يعلمُ ماتصنعونَ} سورة العنكبوت الآية 45
إن التخلي عن هذا العرف، سواء سُمِّي صدقة أو عملًا خيريًا أو دعمًا إنسانيا، هو منكر اجتماعي خطير يُهدد دورالمسجد، ويُضعف مكانة الإمام، ويُفقد المجتمع أحد أعمدة تماسكه الروحي والثقافي.
إن دعم الأئمة ليس ترفًا، بل ضرورة دينية واجتماعية. فإحياء عرف “النوبة” هو إحياء لروح التكافل، واحترام للعلم،وتقدير لمن يحملون رسالة القرآن في القرى والجبال. فلنكن أوفياء لتقاليدنا الأصيلة، ولنمنح الإمام ما يستحقه مندعم وتقدير، لا باعتباره موظفًا، بل حاملًا لرسالة سماوية تستحق كل إجلال.
حمزة عقار – الشاون24

