ads x 4 (3)
ads x 4 (4)

تراثنا الأثري والأركيولوجي بإقليم الشاون إلى أين!؟

يستمر مسلسل الإهمال الممنهج للمواقع الأركيولوجية بإقليم شفشاون، في مشهد يُعبر عن قطيعة مؤسفة مع الذاكرة التاريخية والحضارية للمنطقة. فالمواقع التي يفترض أن تُصنف تراثا وطنيا وتُحمى بالقانون، تحوّلت إلى مساحات منسية، تترنح تحت ضربات الإهمال وتواطؤ الصمت المؤسساتي.

من أبرز هذه المواقع مدينة “تجساس” الأثرية، التي لم يبقَ منها اليوم سوى أطلال مدفونة تحت التراب أو زحف عليها الإسمنت المسلح، دون احترام لأي بعد تاريخي أو وطني، بل الأدهى من ذلك أن جزءًا من معالمها التي تم اكتشافها في الثمانينات تمت تغطيتها ببساطة بموقف للسيارات، وكأن الأمر لا يخص الذاكرة الوطنية في شيء.

أما مدينتا ترغة وتغسة، فهما نموذج صارخ لتغيير وظيفة المعالم الأثرية خارج أي رؤية ترميمية أو مشروع تثمين تراثي واضح. فقد تحوّلت القلاع والأسوار القديمة إلى بنايات مهجورة، مهددة بالانهيار، بينما يشهد البرج التاريخي والمسجد القديم بالمنطقة تدهورًا خطيرًا نتيجة التغييرات الوظيفية وسوء التدبير، دون تدخل جدي من الجهات الوصية على التراث، في ظل غياب أي تفاعل حقيقي من المنتخبين أو الفاعلين الترابيين.

الغريب في الأمر أن الهيئات المنتخبة، التي يفترض أن تكون حامية للتراث ومبادرة للمرافعة عنه، تلتزم صمتًا يثير الريبة، ولا تقدم أي تصور واضح لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فباستثناء بعض التصريحات الموسمية أو الوعود الانتخابية التي لا تتجاوز عتبة الكلام، لم نشهد أي استراتيجية محلية أو إقليمية تُعنى بإدماج هذا التراث ضمن المخططات التنموية المستدامة.

ضمن هذا السياق من التهميش الذي يطال المواقع الأثرية، لا يمكن تجاهل البعد الأمازيغي الغماري العميق الذي يطبع هوية المنطقة، باعتباره مكونًا أساسًا في الثقافة والتاريخ المحليين. فبلاد غمارة، التي تُعد من أعرق الحواضر الأمازيغية بالمغرب، تزخر بتراث لغوي وثقافي فريد، تجسده المعالم، والأسماء، والأساطير، والعادات، وحتى المعمار المحلي الذي يحمل بصمة أمازيغية واضحة. ومع ذلك، فإن هذا المكون الهوياتي يظل غائبًا في السياسات العمومية وبرامج التثمين، إذ لا يتم استحضاره لا في اللوحات التوجيهية، ولا في النشرات التعريفية، ولا في جهود التأهيل السياحي والثقافي، مما يُهدد بفقدان عنصر جوهري من الذاكرة الجماعية للمنطقة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة تُدرج البعد الأمازيغي الغماري في كل مشاريع الترميم والتأهيل، ليس فقط كجانب لغوي أو فولكلوري، بل كرافعة حضارية وثقافية ضرورية لأي مشروع تنموي متوازن وعادل.

إن المجتمع المدني، الذي كان يومًا ما رافعة للاهتمام بالتراث،  أصبح في كثير من الحالات أسيرًا لثقافة الإحسان والتمويل الهزيل، مما جعل حضوره شكليًا وبعيدًا عن الفعل الميداني الحقيقي. وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في علاقة الفاعل الجمعوي بالتراث المحلي، والانتقال من التلقي السلبي إلى الفعل والمبادرة والمرافعة من أجل كرامة الذاكرة الجماعية لهذا الإقليم الغني والمنسي.

د. موسى المودن – الشاون24

Loading...