ads x 4 (3)
ads x 4 (4)

“لا نراقص عملاقا من دون أن يدوس على اقدامنا”.. كلود لولوش

 صنع المسافات لم يكن يوما ما الإجابة التي لا بد منها على قبائل الأسئلة التي طرحها بين وثيرة الأنفاس النيكوتية الحمقاء، أسئلة جرذاء وعارية بلا حقيبة ولا سجائر، وشيئ يكتفي بثورة مترددة في الزمن. هي مجرد لعنة أخرى تنضاف للائحة اللعنات التي أصابته، بدأت باصطدام مترنح لتنتهي بمرارة تلتهم قطع السكر دون أن أنفذ لجذرها المنتشي.

حبيبان بسحنة لا تخفى عن المطر، بردائين منبهرين بالزرقة، وعينين تحنان للضباب علبة السجائر تئن بالقرب منهما، تحتضن رعبا يرهن ذاكرة أحدهما، رعب العبث الذي يختبئ بصدريهما معا رعب العشاء الأخير وقنينة النبيذ الأخيرة التي تحتضن مسائيهما.

والريح تصفر وتصفق كمعحبة من بعيد، يغمرها الجنون والحنين وجمالية الفوضى التي تخلفها .كانت خصلات الشعر الاشقر تلاعب الريح، كامراة حائض تكتفي بوهم اللذة.

تخندق شعرها الذي يركض بلا بوصلة تقتل مرارتها وسيجارة سرقت منها نفسا يتيما تتمتم غير مهتمة بعينين نائمتين ودرس في الحب مفتوح ،بلا أول ولا آخر ،كان الدرس موجها للريح :

– لا المسافة ولا الأجداد ،لا الخمارات ولا ترسانة النيكوتين ،لا الرفاق ولا مقرات الأحزاب الواهنة.. ليس لك من صراط أنت تائه وهذا كل مافي الأمر .تؤجل الركوع لقبلتك المسطحة كجريدة. ببساطة أيها الغريب، بكلمات واهنة، مكرورة، لا مبالية:

-تمج سيجارتها الواهنة بدورها وترمي إلى أفق قريب منها خصلة شعرها ،تعض بخفة غزالة شفتها السفلى ،وتغمض عينيها:

– أنت تائه وهذا كل ما في الأمر، أظهر تأففا لكلماتها الواهنة، أرمي إلى جوف بعيد شيئا من نبيذ، وأغمض عيني كسل خفيف يعاتب شفتي، أجيبها :

– ما ذكرته حبال تكاد تهترئ ،تنبئ بسقطة إلى حضن يأوي اكثر من حياة.
– لتختصر طريقك نحو المأساة ببساطة، تقول بلامبالاة بينة وتبتسم.
– أنا رجل يؤخر الكارثة والانبطاح لا غير، أعي الأمر، ليكن.. المهم شيئ من إرباك للزمن من جهة وإرباك لك من جهة أخرى. أجيب:

الموسيقى التي لا تنفك تربكك أكثر دون أن تمنح لك فرصة لاستجماع ذاكرتك المترامية اأاطراف ،ذاكرتك الفارغة إلا من حشائش مستعدة للاحتراق في أي وقت. أرنبة الأنف تبدو صدئة تحيطها النباتات من كل جانب، حشرة ثقيلة وصفراء تلهو بالقرب من فمك، تبدو سعيدة ربما ،ابتسم ،الملامح صدئة هي الاخرى، أعاود الابتسام مجددا ،ليس من ذلك بد ،شعور بالكدر يربكني ،لا معنى لشيئ.

غير بعيد من ذاكرتي ،هناك على رصيف يقتنص المفاجآت والمستحيلات، كانت أنثى مستحيلة تضم نهدها للريح، تقبل الحشرة التي رقصت ذات مرة على أرنبة أنفي، توزع الابتسامات، تؤجل حيضها كي لا ينزعج الرجال، رجالها الواهنين، المجتمعين على مائدة كونك المثقل بآهاتهم وارتكاساتهم أنت آخر مأوى طالبي لجوء الجسد.

أمتص نفسا بلا معنى، أحاول ترتيب كلمات لخطبتي الأخيرة، أفتح نافذة ماضيك رائحة نتنة تركلني، أسقط متمسكا بابتسامتك المخبأة في قنينة نبيذ تكاد تنتهي وتنهي مأساتنا.

وأنت هناك لا تزالين منهمكة بالرقص للريح، أأنت أنت؟ أم كنت نجوى تتسلل بين الفينة والاخرى لتقتات على هفوات اللغة؟ ماذا أسميك يا أنت، نعم، أنت التي هناك ترقصين للريح ؟
ذكرى حكاية ماتنفك تتمدد؟ بطلة في رواية ضائعة؟ نجوى؟ نكرة؟ أنثى مستحيلة؟ بوصلة صدئة؟ أم نجوى تلاحقنا وتختفي؟
اجتماع طارئ، المقر كخلية نحل ،مأساة مقبلة لا محالة ،ملصقات هنا وهناك تحمل كلمات:

في ضرورة الإسم ينتهي الإجتماع، الاسم بلا أهمية، ذاكرتها تقضم كل شيئ ،وضرورة إيجاد نظرية في ثورة الذاكرة، مادية جدلية اخرى لتفكيك بنية الذاكرة، ذاكرتك التي تحيي وتميت.

النجوى تقتنص الفرص للقبض على سبابتك وقضمها دفعة واحدة ،قبل أن تأتي على باقي الجسد، أتفحصها فاغرا فاهي، تمتثل السيجارة لبيروقراطية فجائية، تسقط ملتصقة برمادها اليد سليمة والنجوى هنالك، تبتعد اكثر فأكثر ،تحتضن العابها الخمسة، الأربعيني والخمسيني والعشريني والثلاثيني ورجل أصلع يسكن مقبرة المدينة وتبتعد صمت ولا مبالاة.

صوت فجائي يرتطم بدخان السيجارة من يساري ،يحثني على الحياة، جهة اليسار بالضبط، مباشرة بمحاذاة لوحة يغرق بها رجال. أعدهم، أربعة وخامسهم شبح يقاوم فيض الأزرق ،يشربه تارة ويسحبه تارة اخرى بثقب جهة القلب ليرسم به هناك خطوطا ووشوما على غمازتيها تبتسمان فقط لو تبتسم غمازتيها ياليت الغمازتين تبتسمان، يا أيتها الغمازتين ابتسما!.

الريح تتعلم السباحة في اقبية المعابد ،تكرع قبيلة نبيذ بين الفجر ورقص الالوان في ظهيرة الفجر..
-توزع الغمزات والتنهدات بالمجان صوت من بعيد.
-لكأنها تحضر لانقلاب في أولمبها ؟!اولمبها الذي باعه زيوس مقابل عشاء اخير ورقصة مبتذلة.

-هو ذاك ،هو ذاك..
الريح حكاية بنكهة الغربة، تستمر الحكاية وتنتهي حين تشاء.
تنجذب المسافة الى نقطة أبعد، تمتد على هواها كامرأة بنهدين مجنحين الأنفاس تتوطد صلتها اكثر بالفم الغريب، غربته جميلة لانها تلهيه عن اليومي الأغبر، المتشبث بتلابيب الطقوس المحسوبة على رؤوس الأصابع.

يا غربته ،يا غربتي، يا غربتنا التي تسوَدٌ وتقتُم.
– الغربة الجميلة أم النجوى المتلهفة للقضم ؟
– كلاهما مسافة بدون معنى.. أجيب.
– آن الأوان كي تفصل..
– بين ماذا وماذا؟
– بل بين من ومن؟
– ليكن، الآن لا قوة للحسم، الخمول يِشِي بالموت، بلذة مخدِرة تنتعش بذكرى اللقاء الذي لا يمتد الا ليشعر الاخرين بالجوع العصِيِ على تاريخ القبائل كلها.

الريح تندب حظها ،تدخن باسترسال ،وترسم شبح رجل ،تلقمه نهدها ،وتشعل سيجارة .الريح تشعل سيجارة للريح .تمرغها بعد نفس أو اثنين، وتقضم وهَنَهَا باشتهاء.
والأولمب يتهاوى حجارة تلوى خيانة وصوت زيوس ثملا وبنصف لحية:
– جميعكم إلى الجنة..

يونس طير- الشاون24

Loading...