أشّاون، بساطة العيش وطيبوبة الناس

بقلم: مرزوق الورياشي 

مدينة أشّاون لا أعرف عنها الشيء الكثير. منذ شبابي الأول كانت تمثل لي فقط محطة في سفري من مليلية إلى تطوان. كل ما أتذكره عنها هو هذه المحطة.

مؤخراً، شاءت الظروف أن أقوم بزيارة خاصة للمدينة استغرقت يومين. عشت هذه المدة بكثافة إلى درجة أنني نسيت أنني أجهلها.

أربعة ملاحظات لا يمكن أن يغفل عنها أي زائر: بساطة العيش وطيبوبة الناس ونظافة الناس والأمن.

أشّاون مدينة سياحية تعيش على الخدمات والصناعة التقليدية. وبما أن السياحة تراجعت بدرجة مهولة بسبب الجائحة، فإن الوضع ليس بخير على أية حال.

رغم ذلك، الشاونيون يبدون كأنهم لم يتأثروا بشيء: وجوه دائماً مبتسمة، عناية فائقة بنظافة الجسم ونظافة المحيط، طيبوبة لا تفارقهم… كل ذلك رغم شظف العيش. بساطة الحياة هنا هي سر المقاومة.

نتيجة للبطالة المهولة للشباب، إذ تراجعت كثير من الموارد التقليدية للمدينة، ما أن تطأ رجلاك أرض أشّاون حتى تجد نفسك محاصراً من شباب يقترحون عليك خدماتهم: مرافقة سياحية، إرشادك إلى مأوى أو مطعم، حمل الحقيبة… لكن بدون أية “بسالة” أو مضايقة؛ وبمجرد ما أن تلمح لهم باستغنائك عن خدماتهم، وتشكرهم على ذلك، يعتذرون لك وينصرفون.

زمن أشّاون زمن رتيب، وفي رتابته تكمن بالضبط بساطة الناس وقناعتهم وتقشفهم. يبدو أن الشعار “اللّي باغي يربح العام طويل” هو شعار الناس الخفي. لا شيء هنا يدعو إلى العجلة.

زيارتي لأشّاون مرت بسرعة. عدتُ من حيث أتيتُ. الطريق من أشّاون إلى الرباط فيها شقّان: شق أشّاون-قنطرة لوكوس (الحدود الفاصلة بين المنطقة الإسبانية والمنطقة الفرنسية خلال الحماية) طريق أبوكاليبتيكية، “يا الدّاخلو ردّ بالك”؛ والطريق من قنطرة لوكوس إلى وزان ثم الرباط طريق مريحة جداً، إذا ما استثنينا مغامرات بعض الكاميكازي المغاربة.

أثناء الطريق كنت أفكر في هذه المسألة: كيف لناس مثل الشاونيين، يعيشون على الكفاف، وكثير منهم على عتبة الفقر، ورغم ذلك لا يشغلهم فقرهم عن أناقتهم، ونظافتهم، ونظافة مدينتهم، وأمنهم، وإبداعهم في الشعر والمسرح والموسيقى، وفوق كل ذلك، نشر ابتسامتهم بكل سخاء.

وبينما أنا أفكر في هذا الموضوع، عرجت بسيارتي لأدخل باحة استراحة بالقرب من القنيطرة. وما أن ولجت الباحة، حتى وجدت نفسي محاصراً من طرف أطفال ونساء منتشرين كالنحل يستجدونني بعض الدرهمات. أطفال ونساء لا يشبهون الشّاونيين في شيء: أجسام وألبسة متسخة للغاية، سلوك شبه عنفي، علامات “الجوع” بادية عليهم، نظرات رهيبة، كلام محرج…

بين أشّاون والقنيطرة مسافة واحدة: الثروة!

نعم، الثروة. فالقنيطرة هي عاصمة لأغنى منطقة فلاحية في المغرب، ومنذ سنوات، هي في الطريق إلى أن تتحول أيضا إلى مدينة صناعية تنتج الكثير من “فائض القيمة”.

وإذا كان جل الاقتصاديين يقولون بأن الثروة تولّد مجتمع الرفاهية، ففي القنيطرة، وربما في مناطق مغربية كثيرة، تولّد الفقر والجريمة. هناك حيث توجد ثروة كبيرة، يوجد فقر كبير. هنا مربط الفرس لكل رغبة في التنمية.

Loading...