شفشاون.. رسالة إلى مولاي علي بن راشد والسيدة الحرة

مولاي علي بن راشد، أنت لم تسع إلى مجد زائل، ولم تغتر بزخارف الدنيا ولا ببريقها وبهجتها، بل كنت مجاهدا مدافعا عن الثغور، جمعت المجاهدين الأشداء من القبائل المجاورة لشفشاون المجاهدة، حاربت البرتغاليين الذين احتلوا بعض الثغور في شمال المغرب، أنت لم تهادن أعداءك البرتغاليين مثلما فعل الوطاسيون، كنت مثال الشجاعة فثرت على الوطاسيين، وحاربت كل من كان يطمع في احتلال أرضك وبلدك. 

شفشاون قاعدة الجهاد؛ لقد تصديت لأعدائك ببسالة صحبة ابن عمك الحسن ابن أبي جمعة الذي اغتيل حرقا بتواطؤ بعض عملاء البرتغاليين، وعلى الرغم من فقدك لسندك القوي، لم تتخاذل، ولم تستسلم، بل واصلت راية الجهاد بعزيمة وثبات، خضت معارك كثيرة وطويلة ضد الاستعمار البرتغالي، فلم تهتز شعرة في رأسك. كنت شجاعا وبطلا.

وحين تواطأ الوطاسيون مع البرتغاليين وهجموا على شفشاون وحاصروها ثم دخلوها وتمكنوا من إحراقها، لجأت إلى الجبال والقبائل المجاورة، لا لتستسلم، ولكن لتستجمع عزيمة المجاهدين لمواصلة الجهاد ولطرد المحتل من مدينتك؛ وهكذا تمكنت من دحرهم، ففروا خوفا على أرواحهم، وتشتتوا في وجهات منعددة، لكنك تمكنت رفقة المجاهدين من ملاحقتهم وأسر عدد كبير من البرتغاليين الذين وضعتهم في سجن القصبة. يكفيك فخرا ما حققته من انتصارات على أعدائك البرتغاليين.

أنعم بك من مجاهد! من صلبك كان الأمير إبراهيم ومحمد والسيدة الحرة التي زوجتها للقائد المنظري، فحكمت مدينة تطوان بعد وفاة زوجها مدة تزيد على ثلاثين سنة…
أتخيلك يا أميرة الجهاد: “السيدة الحرة”، وقد لبست عدة الحرب، وتقلدت سيفك وكأنك فارس متعجل لضرب أعدائك من البرتغاليين الذين طمعوا في استعمار بلادك، فاحتلوا بعض المدن الشاطئية في الشمال الغربي للمغرب.
أيتها السيدة المجاهدة التي امتزجت فيك الدماء الأندلس بدماء المغرب، ها أنت تجمعين كل الصفات الرفيعة التي تتحلى بها امرأة نبيلة ذات الأصول العريقة؛ فجمعت بين الجمال والشجاعة، والنبل والوفاء، والإيثار والتضحية، والعلم والسياسة، والإخلاص وحب الوطن.

ومع ذلك، فقد عشت صراعات كثيرة مع الأجنبي ومع أهلك في الداخل. مؤمرات كثيرة حكيت ضدك. كنت يا سيدتي “الحرة” ضحية تلك المؤامرات، فتمت الإطاحة بجكمك في مدينة تطوان،تلك آفة الحكم يرويها لنا التريخ العربي: الصراع على السلطة وحب الحكم والسيطرة والنفوذ، ولا يهم من أجل تحقيق ذلك أن يتم الاستنجاد بالأجنبي. كم من حاكم عربي مسلم استنجد بالمسيحيين من إسبان وبرتغاليين وغيرهم لأجل الاستئثار بالحكم. غير أنك ووالدك مولاي علي بن راشد والحسن ابن أبي جمعة ابن عم والدك وأخويك إبراهيم ومحمد لم تنصاعوا لضغوط الاستعمار الأجنبي ولا للسلطة في عهد الوطاسيين، بل كان هذفكم تحرير الثغور المحتلة…
أنت يا سيدتي “الحرة”، أعلنت الحرب على حاكم مدينة سبتة المحتلة، وعلى كل من كان يحتل بعض المدن الشاطئية بشمال المغرب.

كان أسطولك يزرع الرعب في نفوس أعدائك من الإسبانيين والبرتغاليين؛ وهكذا كنت طوال مدة حكمك تحرصين على حراسة ثغور تطوان بشجاعة نادرة، وعلى محاصرة سبتة وغيرها من الثغور المحتلة، ومع ذلك لم ينصفك التاريخ، وربما تجاهلك، لكن الزمان كفيل أن يرد لك الاعتبار حتى تعلم الأجيال القادمة مدى التضحيات التي قدمتها في سبيل تحرير بلادك من سلطة المحتل الأجنبي…


من كتاب: شفشاون… ذاكرة المكان للكاتب: عبد الواحد التهامي العلمي

 

Loading...