سنة 2020 وجدلية الدولة الحارسة والدولة المتدخلة

رحلت سنة أجمع الجميع على مدى قسوتها وصرامتها فهي السنة التي عرفت ظهور وباء عالمي أربك حسابات كل الدول، وباء لا يؤمن بالحدود والإنتقائية في التعامل، وباء لا يجزع من جبروت الدول القوية ولا يُشفق على وهن وضعف الدول الصغيرة، لكن وبالرغم من قسوة هاته الجائحة وأثارها الأليمة على البشرية جمعاء كان لهذا الفيروس الفضل الكبير في عودة نقاش فلسفي قديم متمحور حول مدى تركيز تدخل الدولة وإشكالية أية دولة لها الكفاءة اللازمة لتجاوز الأزمات؟

هل الدولة الحارسة أي ما يصطلح عليها “بالدولة الدركية”l’état gendarme” أو أن الدولة المتدخلة “l’état interventionniste” هي الأكثر انضباطا وفعالية في مواجهة الأزمات؟

من وجهة نظري طبعا. قبل التفاعل مع هاته الإشكالية لابد من تقديم تعريف بسيط لكل من المفهومين:

الدولة الدركية: هي دول يتخلص دورها فقط في حماية الأفراد عبر مؤسساتها الأمنية والعسكرية وعدم التدخل في الحياة العامة خصوصا الحياة الإقتصادية وتركها للخواص بشكل مطلق بما في ذلك القطاعات الإجتماعية مثل الصحة والتعليم ومؤسسات الرعاية.

أما الدول المتدخلة: هي دول لها سلطة التوجيه والتخطيط للسياسات الإقتصادية والإجتماعية للدولة حيث يغيب هامش الحرية الفردية لصالح المصلحة الجماعية للمجتمع، شخصيا أعتقد أن التأثير السلبي لهذا الوباء وما خلفه من أرواح هو نتيجة لغلبة الكفة عدديا للدول الدركية في العالم التي تكون فيه الكلمة الفيصل للمصالح البرغماتية لرؤوس الأموال التي لا تؤمن بالإنسان وبقيتمه الإنسانية بل تؤمن به كوسيلة للإنتاج والربح، بل إن هاته الجائحة عرت على الوجه القبيح والفج لهاته الحرية الإقتصادية التي تعترف فقط بسيادة المال وسلطانه حيث لا مجال لإستفادة الفقير من حقه في العلاج حيث وجد العديد من المواطنين الذين تعالجوا من فيروس كورونا في بعض الدول”الولايات المتحدة الأمريكية” أنفسهم دائنين للمصحات الخاصة بمبالغ طائلة يعجزون على سدادها وهنا تبرز وحشية الدولة الحارسة.

والسبيل في إعتقادي هو وجوب تدخل الدولة بما لها من سلطة الإكراه وعنف من أجل كبح جماح الطمع المرضي لرؤوس الأموال التي تتاجر بالأساس بالأزمات و بالاوضاع الإجتماعية عبر المؤسسات الخاصة مثل المدارس الخاصة والمستشفيات الخاصة التي تهمنا بالدرجة الأولى.

لهذا ومن أجل أن تكون المجتمعات أكثر إستعداد لمجابهة الجوائح الصحية والأزمات الإنسانية على هاته المجتمعات نفسها أن تتعاقد على ضرورة وجود دولة تؤمن بقدسية القطاعات الكفيلة بمواجهة هاته الكوارث مثل الصحة والتعليم وعدم إخضاعها لمنطق الربح والتسليع وإطلاق حرية رؤس الأموال في في بقية القطاعات شرط أن يبتعد عما يعمق الجراح.

بقلم: ذ. بلال المراوي /الشاون24

Loading...