الحكامة الجيدة رافعة للتنمية ببلادنا

بقلم الباحث: سفيان الرباج

يعد مفهوم الحكامة الجيدة أحد أهم المصطلحات التى تداولتها الأوساط الإدارية و الثقافية في حقل التنمية منذ نهاية الثمانينات ، فقد استعمل أول مرة من قبل البنك الدولي سنة 1989 و الذي اعتبرها آلية أو أسلوب في ممارسة السلطة لتدبير الموارد الاقتصادية والاجتماعية و الإدارية للبلاد بهدف التنمية ، وقد جاء استعمال البنك الدولي آنذاك لمفهوم الحكامة في إطار تأكيده على أن أزمة التنمية في افريقيا هي أزمة حكامة بالدارجة الأولى بسبب فساد التنظيم السياسي وضعف التسير و التخطيط .

و عرف أيضا برنامج الامم المتحده الانمائى مفهوم الحكامة الجيدة بأنها نمط جديد من العلاقات والمؤسسات التى تشترك بها مصالح المجموعات والافراد ، وتمارس الوجبات وتعطي الحقوق ، ويفصل في الخلافات والنزاعات ، بحيث تقوم على تجاوز التراتبية الهرمية ،وتشجيع التشارك بين جميع الأطراف والإدارات ، كما تشجع على حسن التنظيم بشكل ذكي ، وتوزيع المسؤوليات بحكمة و صقل القدرات والمواهب ودعم التواصل الداخلي و الخارجي.
فالحكامة إذا هي تعبير عن ممارسة السلطة السياسية و إدارتها لشؤون المجتمع و موارده. و هذا هو التعريف المعتمد من طرف أغلب المنظمات الدولية. و هو في واقع الأمر مفهوم قديم يدل بالأساس على آليات و مؤسسات تشترك في صنع القرار.

وقد استعمل المغرب هذا المصطلح في دستوره الجديد لسنة 2011 وخصص له بابه الثاني عشر الذي يتكون من 17 فصلا . ( من الفصل 154 إلى الفصل 171 ) حيث من خلالها تظهر الأهمية التى كرسها المشرع لهذا الموضوع الذي يفتح الباب نحو ديمقراطية حقيقية .
فما هي اذا المقتضيات الدستورية الهادفة لتحقيق الحكامة الجيدة ؟
وما هي المؤسسات الدستورية الهادفة لتحقيق الحكامة الجيدة؟

✓ المقتضيات الدستورية الهادفة إلى تحقيق الحكامة الجيدة .

• تنظيم المرافق العمومية :

ينص الفصل 154 من الدستور على انه يتم تنظيم المرافق العمومية على اساس المساواة بين المواطنين والمواطنات في الولوج إليها ، والانصاف في تغطية التراب الوطني والإستمرارية في أداء الخدمات وتخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية ،كما تخضع ايضا في تسييرها للمبادىء والقيم والديمقراطية التى أقرها الدستور.

حيث يظهر من خلال هذا الفصل أن المشرع وضع الدولة كطرف يراقب مدى خضوع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة .

• تكريس قيم الديمقراطية وربط المسؤولية بالمحاسبة :

عمل المشرع على ضرورة خضوع المرافق العمومية للمعايير المتفق عليها، منها الجودة والشفافية والنزاهة وتعليب المصلحة العامة ، في حين اخضاعها للمراقبة والتقييم .وذلك ما نص عليه الفصل 158 من الدستور « كل شخص يمارس مسؤولية عمومية منتخبا كان أو معينا يجب يجب أن يقدم طبقا للكيفيات المحددة في القانون تصريحا كتابيا بالممتلكات والأصول التى في حيازته بصفة مباشرة أو غير مباشرة بمجرد تسلمه لمهامه ، وخلال ممارستها وعند انتهائها » .

✓ المؤسسات الدستورية الهادفة لتحقيق الحكامة الجيدة

يمكن اسميتها أيضا هيئات الحكامة الجيدة والتقنين ، حيث أتى الدستور المغربي الأخير بمجموعة من الهيئات والمؤسسات الهادفة إلى حماية الحقوق والحريات والحكامة الجيدة والتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية .
• الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري :
التى تم اعطائها مكانة دستورية بنص الفصل 165 الذي ينص على أنه: « تتولى الهيئة العليا للإتصال السمعي البصري السهر على احترام التعبير التعددية لتيارات الرأي والفكر والحق في المعلومة في ميدان السمعي البصري ، وذلك في إطار احترام القيم الحضارية الأساسية وقوانين المملكة .»
• مجلس المنافسة :
نص عليه الفصل 166 من الدستور حيث جاء فيه : « مجلس المنافسة هيئة مستقلة مكلفة في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة وبضمان الشفافية و الإنصاف في العلاقات الإقتصادية ، خاصة من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق ومراقبة الممارسات المنافية لها والممارسات التجارية غير المشروعة وعمليات التركيز الاقتصادي والإحتكار .»
• الهيئة المركزية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها:

بدورها أعطاها المشرع مكانة مهمة حيث نص الدستور في فصله 167 على أن « الهيئة تقوم بمهام المبادرة والتنسيق والاشراف وضمان تتبع تنفيد سياسيات محاربة الرشوة ، وتلقى ونشر المعلومات في هذا المجال ، والمساهمة في تخليق الحياة العامة ، وترسيخ مباديء الحكامة الجيدة ، وثقافة المرفق العام ، وقيم المواطنة المسؤولة . هيئات النهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية .في نهاية الأمر فإن هذا الإصلاح الذي أتى به دستور 2011 وأعطى له مكانة تشريعية مهمة حيث خصص له بابه 12 ، يشكل المعيار والرهان نحو التنمية ببلادنا، وتبقى جل هذه المؤسسات والهيئات بدون جدوى في حالة عدم الاسراع في تفعيلها والمصادقة على قوانينها للرقي بها في أداء وظائفها على أكمل وجه ، واسناد تسييرها إلى أشخاص يشهد لهم بالكفاءة والمسؤولية .فإلى متى ستظل مؤسساتنا تتهرب من تفعيل هذا الورش؟

 

 

Loading...