شفشاون “مدينة الحقول الذهبية” جانب من التاريخ الفلاحي لإقليم شفشاون.

بقلم الباحث في تاريخ المغرب: ياسين أغلالو

هي أرض “الحقول الذهبية”، أرض “الرخاء والغنى”، أرضً “تتدفق فيها الجداول مثل شلالات”، هي أرض “تسر الناظرين إليها”، فأرض شفشاون تتوفر على “عيون في جميع الجهات”، فليس هناك قطعة أرض قابلة للاستغلال لم تزرع : تشاهد حقولا معلقة في أماكن تبدو ممتنعة المنال. بهاذه التعابير الموجزة وصف مجموعة من الرحالة والإخباريين مدينة شفشاون.فقد لعبت الخصائص الطبيعية لهذا لإقليم دورا أساسيا في تنوع المجالات الزراعية والرعوية وسبل استغلالها، وهو ما منحها تنوعا في منتوجها الفلاحي تبعا لتنوع مناطقها. كما يعتبر إقليم شفشاون من بين الأقاليم التي تتوفر على العدد كبير من الأنهار، والوديان التي ساهمت بشكل كبير في تطور فلاحته عبر فتراته التاريخية، بحيث “يصعب إحصاء كل الوديان والمنابع المائية بهذه المنطقة الخصبة والمزروعة بشكل جيد. حسب قول “أوجست مولييراس Auguste MOULIERAS”. كما ينتشر في هذا الإقليم الكثير من الغابات. وهو ما أشار إليه الرحالة “شارل دوفوكوCharles de FOUCAULD” حين قال: “أسير على طريق تحيط به أشجار الورد المزهرة. الطريق محاذية دائما للبساتين. نسير تحت ظلال أشجار الرمان والتين والمشمش والعنب التي تغطي عراجينها الأشجار المجاورة لها. الجداول بكثرة إلى حد أن نكاد نسير دائما في الماء”.

وبالعودة إلى أقدم النصوص التاريخية القريبة من مرحلة تأسيس مدينة شفشاون، نقف على كتابين الأول هو “وصف إفريقيا” للحسن الوزان، الذي أتم كتابته سنة 1526 بمدينة روما، أي بعد تأسيس مدينة شفشاون بـ 55 سنة، والكتاب الثاني هو “أفريقيا” لصاحبه “مارومول كربخال Marmol CARVAJAL”، الذي كتبه ما بين 1552 إلى غاية 1559م. وما يميز هذان الكتابين هو تشابه نظرتهما وطريقتهما في الكتابة، وتكاملهما بحيث تجدهما كثيرا ما يتحدثان عن نفس الموضوع، ويذكر أحدهما ما أغفله صاحبه، أو يحدد ويضبط ويوضح ما بقي عند الأخر. فصاحب وصف إفريقيا. الذي ينحدر نسبه إلى قبيلة بني زيات الزناتية، الواقعة في أقصى غرب بلاد غمارة، يتحدث عن كون إقليم شفشاون يتوفر على “أرض تصلح لزراعة الزيتون وفواكه أخرى…” ، وفي حديثه على جبل رهونة المجاورة لمدينة شفشاون أشار إلى وفرة الزيت والعسل والعنب بها، فيما وصف أهل جبل بني رزين بأنهم : “يجنون القمح والزيتون ويملكون كروماً كثيرة”. أما بالنسبة لقبيلة بني جبارة فبها “تمر بعض الجداول الصغيرة في سفحه المغطى بالكروم وأشجار التين، ويملكون عدداً وافراً من الماعز وبعض الثيران القصيرة التي تشبه بقامتها عجولاً عمرها ستة أشهر”، وفي جبل بني جنفن : ” الكثير من الماعز الذي يحتفظ به دائما في الغابات، ولا يؤكلون غير لحم التيس أو المعز”.

أما بخصوص مركز الإقليم فجبل شفشاون “لا ينبت هناك غير القمح مع كثير من الكتان، وتوجد غابات كثيرة وعدد لا يحصى من العيون”. فيما يشير “مارمول كربخال Marmol CARVAJAL ” في كتابه : أن المدينة تتوفر على “عدة عيون، تسقي منها الأراضي التي تنتج كمية كبيرة من القمح، والشعير والقنب، والكتان. كما أن هناك عدة بساتين وحدائق للبقول والفواكه، وكثيرا من قطعان الماشية”. كما تحدث عن قبيلة الأخماس فقال : “ويتمركز هذا الحلف فوق كتلة جبلية مشجرة تقارب في الطول 800 كلم وفي العرض 25 كلم ساكنتها تهتم بالبستنة وحرث وزرع والشعير”.

بناء على هذه النصوص فإن أرض شفشاون التاريخية كانت تتوفر، على عناصر التكامل والتنوع الطبوغرافي وخصوبة التربة وملائمة المناخ وتوفر المياه التي أسهمت في توفير المنتوجات الغذائية المتنوعة للإنسان في هذا الإقليم خلال الفترات القديمة والحديثة، وهي نفس الظروف التي ساعدة “مولاي علي ابن راشد” على تأسيس المدينة “فبني قصبتها، وشيدها وأوطنها، ونزل الناس، فبنوا وصارت في أعداد المدائن…” حسب قول “أبي حامد محمد العربي بن يوسف الفاسي الفهري”، في كتاب “مرآة المحاسن”.

وتفيد المعطيات التي استقيناها من مجموعة من كتب الرحالة وكتب النوازل والإخبارين أن الإنسان في هذا الإقليم في مرحلة حكم الرواشد كان يعرف زراعة القمح بكثافة باعتباره المادة الأساسية في التغدية، إلى جانب باقي أنواع الحبوب، وتعتبر الزيوت من المواد الأساسية أيضا، وهو ما أشارت إليه مجموعة من النصوص. ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر ما نقله الرحالة شارل دوفوكو Charles de FOUCAULD حينما مر من أرض الأخماس ” إنه نفس الرخاء ونفس الغنى : يتدحرج واد لحشايش(يقصد واد العشايش) مياهه الهادئة تحت ظلال أشجار زيتون طاعنة القدم”. بالإضافة إلي الزيتون، هناك العديد من الإشارات حول زراعة الفول والشعير والقمح الأسود و الثوم والثوم القصبي. كما يزرع بالخصوص “الفلفل والبصل واللفت والبطاطس والكرنب والجزر وتنتج أشجار الفواكه ثمارا مشهورة بجودتها في كل قبيلة الأخماس”.كما نقل لنا الفقيه الهبطي نازلة حول نزاع بين رجلين حول “شجرة الجوز، والتي كانت منشرة بكثرة إضافة إلى حب الملوك”، ويتضح أن هذا التنوع الزراعي الذي شد انتباه دوفوكو ودفعه إلى القول “يحسن الناس الانتفاع من كل هذه الخيرات، ليس هناك قطعة أرض قابلة للاستغلال لم تزرع : تشاهد حقولا معلقة في أماكن تبدو ممتنعة المنال”.

ويتبين من خلال تتبع هذه المعطيات أن مائدة الفرد في إقليم شفشاون كانت فصيلة ومتنوعة مما يضمن التوازن والتنوع الغذائي. بحيث كان طعامهم خبز الشعير والدبس، مع الفول وبعض السردين المملح، والثوم أو الثوم القصبي، “ويصنعون كثيرا من الدبس وأجود زبيب بإفريقيا كلها”. وقد نقل لنا مولييراس صورة عن طبيعة الأغدية من منطقة الأخماس : “ورجعوا إلى المسجد محملين بأنواع من الأطعمة المكونة من اللحم والبيض والعسل والصامت والخمر والخال “وماء الحياة (وهو نوع من الكحول الذي يصنع ويباع خفية، من طرف يهود الشاون).” إن أهالي الاخماس حسب قول موليراس يأكلون جيدا، وهم يفضلون الطرائد كالأرانب البرية والحجل والسمان والطيور العابرة التي يتم اصطيادها بشكل متقن.

الشاون24

Loading...