الشاون24
أنام مثقلا بالحديث، وأستيقظ كذلك، لعل بداخلي موهبة؛ أُصقلها، أم أكتبها، أم أمضي وأترك الثقل يأكلني، وأتساءل مستغربا! هل الشموع بداخلنا تذبل إذا ما تركناها دون رعاية أو اهتمام؟ وأنت أيضا جرب أن تنقّب داخلك لعلك، تجد شموعا تنير الظلمة، تضيء الزوايا الميتة، ستجد أشياء ما ظننت يوما أنها تسكنك، أشياء مبهرة حقا!
الشوارع هذه اللحظة فارغة تماما، والأرصفة تئن اشتياقاً للمتسكعين بها إلى وقت قريب، والأضواء اللامعة؛ دامعة. الحياة عموما في الخارج منعدمة، فلم يعد لها نبض، ولم تعد الأمور كما كانت. فقبل أيام كان النادل يوزع على الزبائن طلباتهم، لقد افتقدت أن أجلس وحيدا وأشرب قهوتي السوداء على غير عجل.
أحتاج قليلا من الطاقة كي أعود نحو الوراء، ولطالما كانت العودة أشدّ عليّ، وترهقني دائماً، كعودتي نحو الديار بعد أن أتسلق جبلا، العودة دائما صعبة لهذا توقفوا عن العودة بنا إلى أحداث مضت، لا تعودوا الى ما مضى أبدآ، سأكسر القاعدة وأعود، فأنا أكثر الناس كسرا للقواعد، كنت دائما لا أحب الانصياع ولا الخنوع وسأظل كذلك، فقط أساير حتى لا أنكسر، أحاول أن أكون مرنا قدر الامكان، لكني أكسر القواعد بطريقتي الخاصة.
هذه الأرض بحجمها الكبير جداً، والصغير في الكون تعيش الآن امتحانا نحو النجاة، الضحايا في تزايد مهول، والأرض صامدة توفر لنا شقوقا على شكل مقابر فقط، وهذا ما يمكنها أن تفعل لنا الآن! لم ينجوا بلدي من المرض، وأعلن عن أو حالة إصابة، بعد أن كنا نسمع ونشاهد في التلفاز، الآن حان الدور كي نعيش، الأيام تتداول بيننا في هذه القرية الصغيرة، وانهالت وابل من الفرضيات تتسلل داخلنا، والأمر يتطور والحالات تزداد والاتجاه نحو واقع دولِ ما خلف الضفة أصبح تخوفا عندنا، نحن في هذا البلد نعي جيدا خطورة أن تقضي أسبوعين أو أكثر داخل غرفة في مستشفى عمومي، نخاف من المستشفى قبل خوفنا من الوباء، قريبا ستعلن حالة الطوارئ وتصبح شوارعنا للأشباح فقط، بلاغ تلو آخر، لقاء يتبعه آخر…
ها أخيرآ… أعلنوا عن الحجر الصحي وليس عن الطوارئ، ما الفرق؟ لعلهما واقع واحد لاسمين، ولعل الحجر الصحي مرتبط بالأوبئة اما الطوارئ مرتبط بالحروب! لا أنكر أني اتذكر هذا البلاغ الى جانب بلاغ لتوقيف الدراسة عن قرب، فرغم أني تركت أشيائي وتلامذتي والذين قد لا يسفعهم الحظ لمتابعة الدروس عن بعد، إن الغاية الآن هي الصحة وحماية الوطن، تبرر كل الوسائل المستعملة وتبرر توقيف الحركة ومنع التجوال وإلزام الناس بيوتهم، تبرر أن الايام التي ستأتي صعبة قد يكون فيها جوع ويأس وتضحيات. الآن لا وقت للمزايدة الكل معني بالتضامن والتكافل والصبر والتضحية والتعبئة، ولعل هذا الإنسان نفسه والذي يسعى جاهدا لإنقاذ الأرض كان في مرات كثيرة سببا في أذيتها ومرضها، كان ولا يزال معاديا لها.
بعض الناس دخلت بيوتها والتزمت بالحجر منذ البداية، وأنا لا أزال خارج بيتي، تنوح حنجرتي صياحا، ويبخ فمي رذاذا يتطاير ليصيب المِصدح، وصوتي ينعكس خارجا في المكبر، موجها خطابي للناس وللمارة التي تراقب السيارة التي تحملني، أطالبهم بالتزام البيوت والأخذ بوسائل الوقاية والنظافة، أقول لهم بأننا في مواجهة شيء صغير لكنه خطير جدآ، وعندما أتعب أمسح لعابي من على المصدح ثم أعقمه، وأمده للصديق بجانبي والذي يبدو أكثر استعدادا كي يصيح بصوت أعلى ” الزموا بيوتكم” وانا على علم أنه سيتعب أيضا.
تبدو هذه التجربة ذات جدوى وتعكس أنك إنسان على الاقل مساهم في مجتمعه، فهل أنت كذلك؟ لا أعرف حقا هل المساهمة وهو أن تدعو الناس إلى الالتزام في بيوتهم ولا تعي ما عليه هؤلاء؟ من اين هم؟ هل لديهم منازلٌ حقآ؟ وان كان لديهم هل لهم ما يسدون به رمقهم؟ إنها أسئلة لا تغادرني ولو نائما، لكن تبقى فكرة صائبة أن تتطوع وتتجند أياما لا اعرف كم هي، معرضا للخطر، وتساهم بدورك ومن موقعك وحسب قدرتك بما يلزم، رغم أن الامر بسيط الا أن أمر التوعية كان ولا يزال شيء له نتائج جيدة، لنكمل القصة فيما بعد، الآن حقا تعبت من العودة نحو الوراء.

