لماذا يصبح اﻹنتحار حلا عند أمثال عزيز؟!
وفي النهاية عندما رحل عزيز نطرح السؤال الذي شكل أداة الجريمة “لماذا” او “علاش” باللهجة المحلية وهو سؤال يبدوا أكثر بكثير مما تحتويه لفظة صغيرة مكونة من خمسة أحرف، ﻷنه يخفي مجموعة من اﻷسباب والدوافع التي مهدت الطريق أمام عزيز، ليتغلب على أشد أنواع الخوف وهو الخوف على الحياة أو الهوس بالحياة.
ليعيش اﻹنسان يقوم بكل ما يلزم وليس ذلك رغبة في رؤية ما سيحدث، او ملاحقة الغد، وإنما الرغبة في البقاء على قيد الحياة. وبالتالي لا يمكننا التعجب من رجل ذو بشرة سوداء، قطع الفيافي الشاسعة والبلدان المترامية اﻷطراف، ليس ذلك لدخول أرض اﻷحلام! إنما ليعيش او بعبارة تليق بالهدف اﻷسمى للرجل ليتجنب الموت، هو نفسه ذلك الخوف الذي يجعلك تضحي بحياتك من أجل حياتك. بربكم هل هناك عذابا أقوى من هذا العذاب!؟
لا يأتي الخوف في الغالب من منبع واحد، إنما له أشكال متعددة كلها تضغط من أجل تأمين المستقبل. الخوف من الجوع الخوف من العطش لكن هل عزيز قتل نفسه من أجل الجوع؟ نعم! ولكنه جوع مختلف، ليس جوعا بالمعنى الغذائي للكلمة، إنما جوع نفسي ومعنوي، جوع العار، جوع في الشرف في الفضيلة، وأكثر من هذا جوع في “العرض”، بمعناها اﻷخلاقي والقانوني.
نتتبع الحالة النفسية لعزيز نجده مر بكثر من المشاعر المتباينة، بين الدهشة، والحسرة، والندم، والغضب، والضغينة، إنها رحلة مع النفس مطبوعة بالخزي والعار، فكيف يتخلص إذا من مظهر ينقص من قيمته، هل كان عليه أن يلجأ إلى مبدأ الحوار لاستشراف الخبايا وراء الحادثة؟ وهل كان سيتفهم كون أخته ضحية؟، لو علم المؤامرة التي حيكت ضدها من طرف صديقتها اللئيمة، أتراه فكر في تغيير المكان؟، ﻷن التغيير كان أمرا وارد الحدوث، لكن لماذا لم يفكر مثلا في تجاهل اﻷمر والمضي قدما؟ لا هو لم يفعل وهناك قوة نفسية جائرة تغلبت عليه، هذه القوة نجمعها في لفظة “الضمير”، من السهل أن يتخلص الانسان من كل المظاهر التي تشكل عقبة في حياته، لكنه يجد صعوبة في ترويض الضمير للتفاعل مع حالة مختلفة ومتناقضة، مع موضوع الاهتمام.
فمن قتله إذا؟ هل سخرية أصدقائه! هل شعوره بالدونية! التي غذتها موروثات دينية واجتماعية، جعلت منه حالة مرفوضة ومهينة في المجتمع، نحن بين عدة أمور مختلفة، إلى أي شيء كان يسعى؟ ولكنه في انهاية استجاب لفكرة شجعه عليها المجتمع، هو بالتأكيد فعل الشيء الذي رآه سيرضي المجتمع، فهل يمكننا القول أن انتحاره جاء استجابة لتمثلات المحيط الذي عاش فيه؟ أم للتخلص من رداء متسخ؟، أم لقتل الضمير والهروب من تأنيبه الذي لا ينتهي؟ أم من أجل ماذا؟
هذا هو عزيز عند أصدقائه، لكنه في البيت وجد وضعية مختلفة، العار ملتصق به اﻵن وعليه التصرف فهو رجل البيت، وبالتالي فهو قد تعهد “بديهيا” بحمايته، فكيف السبيل لذلك؟ ومهمى فعل فقد واجه تصديا يفوق طاقته، وذلك من طرف أسرته، نبذته اﻷم وكادت اﻷخت أن تموت، هل كان اﻷمر يستحق أن تموت؟ بالتأكيد لا، وبالتأكيد نعم كذلك، هو حائر بين أن يرضي المجتمع، وبين أن يرضي الله، فماذا يعصي اﻵن؟ وهو مجبر على ترجيح إحدى الكفتين.
مرة أخرى ينسحب، ويرى في الهروب ملاذه اﻵمن، إنه حالة من الخلاص المؤقت، وهو اﻵن قد دخل في مرحلة جديدة، مرحلة التيهان، يحمل هم المجتمع فلابد من تقديم شيء ليرضى عنه والرضى يكون بتقديم القرابين ﻹله جبار وطاغية يسمى “المجتمع”.
وفي نفس الوقت عليه أن يرضي الله، هو في حالة إحباط وهذا ما جعله بالتأكيد يطرق باب الجنون.
من الحمق القول بأنه استسلم، ﻷنه قد فعل كل ما يلزم وناضل بضراوة حتى اتخذ القرار في النهاية، بدأ الجنون كحالة جديدة استجابة للحيرة التي انتابته، أكان الخوف من النوم لوحده بداية جنونه!؟ لكن بالتأكيد هذا الخوف دفعه لتبني وضعة دفاعية مألوفة، اﻹنصباب على العبادة، فقد التزم بأسلوب متطرف جدا وبدأ ملازما للمسجد لا يكاد يفارقه.
هنا نعلم أن عزيز منذ البداية سعى من أجل شيء واحد اﻹنعتاق من اﻵفة والتحرر منها، تجلى ذلك في بداية اﻷمر بمعاقبة اﻷخت، ثم الهروب والانكباب على الذات في بيت الجدة، ثم حالة الفزع التي تملكته، والتي جعلته يستعمل آخر سلاح هو اﻹيمان، فقد فكر أن هذا “اﻹيمان” هو أخر الحصون التي يلجأ إليها كل تائه وكل حيران، أتت هذه الثقة عن طريق الحكايات الموروثة عن اﻷولياء، بوصفهم أنقياء البشر وأصفياؤهم، لكن عزيز لم يكن يخطط ليصبح “وليا”، إنه رغب في التخلص من الخوف الذي أرقه، الخوف من الرحيل، هل خاف حقا من اﻹنتحار؟ والخوف كقوة فيزيولوجية واردة ومؤكدة، جعلته يفشل في كل الموحاولات التي قام بها، للتغلب على شبح اﻹنتحار، لكنه في النهاية فشل. بالنظر إلى توعده بخنق حياته لا يمكننا القول أنه خاف بالفعل، وإنما كان مارددا فقط، لذا بحث عن محفز أقوى للقيام بهذه الخطوة، أين تجلى هذا المحفز!؟ بالتأكيد هو “الجنون” الذي اعتراه وقاده إلى شجرة البلوط.
هل يجوز لنا أن نسأل؟ من كان يمثل حالة اﻷمل في حياة عزيز؟
ثم ماذا كان يلزم عزيز، للخروج من مأزقه؟.