بمجرد النطق بقبيلة بني أحمد يتبادر الى أذهان العامة زراعة القنب الهندي، على اعتبار أن هذه الزراعة تشكل الإقتصاد الفعلي لهذه المنطقة، وهي التي أوصلتها للشهرة التي عليها الأن القبيلة، كما أضحت قبلة لكبار بارونات ومرويجي المخدرات، ومجالا خصباً للاغتناء السريع، فهذه الطفرة الإقتصادية انعكست سلبا على النسيج الإجتماعي الحمدي وعلى تقاليده وعاداته إذ أصبح المورورث الثقافي ممارسات يجب تجاوزها لأنها توحي إلى التخلف حسب الجيل الحالي، الذي يصارعه في هذه النظرة الجيل القديم الذي يعتبر هذا الموروث بمثابة هوّية حارب حتى المستعمر من أجلها، لإيصالها لمن يعتبرون أنفسهم دعاة القيم الكونية الحداثية.
فمن تكون قبيلة بني أحمد ؟ وماهي أصولها وأصل تسميتها وامتداداتها الجغرافية ؟ وماهي أهم عاداتها وتقاليدها؟ وماهي بالأساس أهم التحولات البنيوية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عرفتها قبيلة بني أحمد ؟ وبصيغة أخرى: ماهو الثابت والمتحول في هاته القبيلة الجبلية؟.وهذا ما سنتعرف عليه من خلال هذا البحث الميداني:
المحور الأول : نبذة تاريخية وجغرافية عن قبيلة بني أحمد (جماعة بني أحمد الشرقية”
لكل إنسان أصله وفصله ومسقط رأسه الذي يعود إليه كما أن لكل قبيلة أصولها وبداياتها وامتداداتها،

نبذة تاريخية عن جماعة بني أحمد الشرقية:
أحدثت جماعة بني أحمد الشرقية بمقتضى الظهير الشريف رقم : (1-59- 1945)،تطورا بتاريخ : فاتح شتنبر 1959 ، وهي حاليا تنتمي للنفوذ الترابي لقيادة بني أحمد ، وذلك بناء على التقسيم الإداري الذي شمل تراب المملكة ، وقد شهدت الجماعة منذ تأسيسها تطورا هاما في المجال الإقتصادي والإجتماعي والخذماتي ، وذلك موازاة مع النمو الديموغرافي ، مما أدى إلى مزيد من الهجرة إليها خصوصا بعد فك العزلة عنها بإحداث الطريق الجهوية رقم : 419 الرابطة بين مدينتي ” باب تازة ” و” فاس ” عبر مركز بني أحمد.
وقبيلة بني أحمد من قبائل جبالة العريقة، يرجع تاريخ امتدادها الى قبائل بربرية عريقة، خاصة قبيلة صنهاجة الريفية، كانت قبيلة أمازيغية ، عمرت المنطقة قبل الفتوحات الإسلامية ، إلا أن سكانها تعربوا واتنقوا الإسلام بعد دخول العرب الفاتحين ، وأصبحت القبيلة منذ ذلك الحين مركزا للدراسات الإسلامية ولحفظة القرآن الكريم ودراسة اللغة العربية والنحو ،كما عرفت هذه القبيلة بالبسالة و المقاومة، بحيث وقفت حجر عثرة للمستعمر الإسباني، ابان احتلاله للمغرب.

أصول ساكنة بني أحمد :
سكان قبيلة بني أحمد تكونوا من أجناس مختلطة كباقي ساكنة حبال الريف ، حيث يجمعون ما بين الجنس الأشقر الذي يرجع أصوله إلى الغزاة كالروم وغيرهم ، أو المهاجريين الذين نزحوا من الأندلس بعد حرب الأسترداد ، والجنس الأسود الذي دخل المنطقة عن طريق تجارة الرقيق إبان سنوات الجفاف التي عرفها المغرب ( 1940-1945)، على عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله ، حيث استقطبت المنطقة مهاجريين من مختلف القبائل الريفية والمدن والقرى المجاورة، وفي هذا الصدد نذكر أسرة المرابطين لما لها من تاريخ عظيم وكبير في المغرب بصفة عامة وفي قبيلة بني أحمد بصفة خاصة بالإضافة الى أسرة الحضريين، والجباريين.

أصل تسمية قبيلة بني أحمد :
جماعة بني أحمد الشرقية سميت على اسم المنطقة (بني أحمد ) التي كانت تكتب في البداية ” بني يحمد” بالياء ، وكتبت في عهد بيعة السلطان الحسن الأول ” بني أحمد ” بالألف ، ويبقى الإسم الأول أكثر شيوعا ونسب إليها ” يحمديّ”.
وإن كانت هذه الأخيرة بربرية الأصل، فإنها تعرّبت تماما واختفت منها البربرية ولم يبقى منها إلا الأسماء التي تدل على الأماكن أو المداشر.. فهي اليوم عربية لغة وأخلاقا وعوائد إلا ما قل وندر كعادة “الحاجوز” المأخوذة عن المسيحية. إلا أن بالجماعة عدة لهجات مختلفة ومتباينة سواء منها بجبالة كلهجة الشرفاء الجباييرين الذين يبدلون الخاء كاف وكلهجة عزوزيين الذين يبدلون القاف همزة (قال=أل)، وتبقى هذه اللهجات دارجة مغربية بامتياز تقترب من مفردات اللغة العربية، وتبتعد من البربرية، ويعود الأمر بالأساس إلى الهجرات والإختلاط والمصاهرة بين مختلف فروع وفرق القبيلة وانتشار المدارس التي جعلت لهجة القبيلة ذات أصل بربري تتحول إلى العربية الدارجة ، وهذا ما عرفته غالبية القبائل المغربية على المستوى اللغوي.
تراب الجماعة وحدودها

يضم تراب الجماعة :
دوار تلوان .
دوار السراق : أصل التسمية دوار “الصداق ” بدليل وجود وثائق عقارية وأنكحة الزواج بهذا الإسم ، وسبب تسميته دوار ” السراق ” حسب بعض الروايات شفاهية يعود إلى اعتراض قطاع الطرق ، في منبع مائي يدعى ” عين أستوف ” للقوافل التي كانت تحمل عائدات الزكاة والخراج في عهد السلطان الحسن الأول.
دوار المعصرة : سميت كذلك لوجود معصرة للزيتون في القديم إبان تكويين الدوار.
دوار الدراويين : سمي على أحد الشيوخ وهو ” الشيخ الجيلاني الدرواي ” الذي قدم من واد درعة واستقر وكون أسرة الأولى بالدوار.
دوار ترتكعلو : اسم مقتبس من الأمازيغية يعني “الثعلب” لأن أشكال التضاريس بالدوار يشبه شكل الثعلب .
دوار تلوليلي : اسم مقتبس عن الأمازيغية ،”تلا ” تعني ” بركة ماء ” وليلي ” نوع من الأشجار ذو طعم مر ” الدفلة ”
حومة الشوابل : يعني دور الصفيح ، تم تشييدها من طرف جنود الإستعمار الإسباني ، في الفترة التي كانت منطقة الشمال ” منطقة خليفية ” ، ولا زال لحد الآن سكننا صفيحيا.
دوار تاية : وتعني بالأمازيغية ” الأمة ” .
دوار بني خليفة .
دوار اكلالة العليا.
دوار اكلالة السفلى .
دوار بوشيبة.
أما حدود جماعة بني أحمد الشرقية فتحد :
شمالا : جماعة واد الملحة.
جنوبا : قيادة تافرانت إقليم تاونات.
غربا : جماعة بني أحمد الغربية.
شرقا : جماعة المنصورة.
كم تقع قبيلة بني أحمد شمال مدينة شفشاون تحد شمالا بقبيلة غزواة وجنوبا بقبيلة بني زروال، وشرقا بقبيلة غمارة، وغربا بقبيلة بني مسارة.

3- مميزات المنطقة:
استمدت شهرتها من الغنى الطبيعي، وفي بعض الروايات تقول أن سكان المنطقة كانوا يعصرون الخمر خاصة في القرن السادس عشر اذ تعرف بكثرة أشجار التين و الزيتون و العنب…. وتعرف أيضا بني أحمد بالجبال الشامخة، كجبل بومزية، و القلعة، وجبل ميمونة وكل قمم هذه الجبال، عرفت حروبا طاحنة بين أهالي المنطقة والجيوش الإسبانية، التي احتلت المنطقة وجثمت على أعالي هذه الجبال، ويعد جبل سيدي حجاج قلب بني أحمد النابض، إذ يوجد به حاليا السوق الأسبوعي،” ثلاثاء بني أحمد الشرقية” وكان موقع استراتيجي هام بالنسبة للمستعمر حيث تمركز فيه، ولا تزال بعض الآثار والأطلال للثكنات العسكرية الأجنبية والمقابر شاهدة على أزمنة تاريخية قد مرت من كل تلك القمم إلى يومنا هذا.
بالإضافة للجبال المهمة التي تتميز بها هاته القبيلة فإنها تتميز أيضا بمجموعة من الأنهار أهمها نهر أوضور الذي يعتبر الأكبر بالمنطقة وهو يفصل قبيلة بني يحمد عن بني مسارة وغزاوة وبني زروال. إضافة إلى نهر غمرة ونهر أمزغرو ، كذلك نهر الجمعة ، وهو يفصل جماعة بني أحمد الشرقية عن إقليم تاونات ،إضافة إلى العيون الجارية ذات مياه عذبة وخالصة كعين تلوان وعين بوقرقورة، كلها عيون ذات مياه عذبة وتنتشر بالقرب منها مساحات هامة لأشجار البرقوق والتين والزيتون والخضر والفواكه.
قبيلة بني أحمد وإن كانت بربرية الأصل، فإنها تعرّبت تماما واختفت منها البربرية ولم يبقى منها إلا الأسماء التي تدل على الأماكن أو المداشر.. فهي اليوم عربية لغة وأخلاقا وعوائد إلا ما قل وندر كعادة “الحاجوز” المأخوذة عن المسيحية. إلا أن بالقبيلة عدة لهجات مختلفة ومتباينة سواء منها بجبالة كلهجة الشرفاء الجباييرين الذين يبدلون الخاء كاف وكلهجة عزوزيين الذين يبدلون القاف همزة (قال=أل) و بني لاوة الذين يتكلمون بالغنة، وتبقى هذه اللهجات دارجة مغربية بامتياز تقترب من مفردات اللغة العربية، وتبتعد من البربرية، ويعود الأمر بالأساس إلى الهجرات والإختلاط والمصاهرة بين مختلف فروع وفرق القبيلة وانتشار المدارس التي جعلت لهجة القبيلة ذات أصل بربري تتحول إلى العربية الدارجة ، وهذا ما عرفته غالبية القبائل المغربية على المستوى اللغوي.
ثالثاً: أهم عادات وتقاليد القبيلة “الحمدية”
لكل قبيلة عاداتها وتقاليدها تمارسها بالشكل المتعارف عليه داخل بنياتها الإجتماعية ، كما أن لكل قبيلة مواسمها التي تحتفل فيها بالذكرى، ذكرى جد أو ولي صالح ينتسب إليه أهل القبيلة على اختلاف فرقهم.
ومن أهم العادات المهمة التي كانت القبيلة تحافظ عليها وتحتفل بها هي الإحتفاء بأبنائها من حفظة القران الكريم، حيث يقام الحفل لدى الأسرة و يحضره فقيه المسجد و “الطلبة” وفقهاء القرية والشرفاء والأعيان وكان من أهم الإحتفالات التي تقام لتكريم حفظة القران، حيث كان للمساجد دور هام في هذا المجال، حيث عرفت القبيلة بمساجد عتيقة كانت عبارة عن معاهد وجامعات لتحفيظ القران الكريم، ودرس بها طلاب من القبائل المجاورة، إلا أن هذه المساجد قد خلت بصفة نهائية من تدريس القران الكريم وتحفيظه وبذلك بدأ انقراض الحفاظ والهجرة عن القبيلة، إنها ظاهرة مؤسفة شرعت تحل بالبوادي الحمدية، وفيما يخص عادات حفلات الأعراس فقد اختلفت طريقة الإحتفال بها من فرقة إلى أخرى، مع اختلاف بسيط في الطقوس المرتبطة بالحناء ومدة الحفل وغيرها.
ونظرا لكون قبيلة بني أحمد تعج بالأضرحة والأولياءحيث تحج الفرق في موسم كل ضريح، لكل فرقة لواؤها الخاص بها يحمله مقدم الفرقة ويتم تقديم ثور كهدية للولي بعدما يمر من العديد من الطقوس المصاحبة له حتى الوصول لمرحلة ذبح الهدية، وحيث كان الشرفاء يحرصون أشد الحرص على عدم اختلاط النساء بالرجال، وكان سكان القبيلة يعملون على ختان أبنائهم خلال الموسم، حتى يتجاوزوا الإعتقاد الذي كان سائدا بأن من لم يختّن في موسم الولي لن يكون شهما وسوف يلاحقه ويلازمه النقص.

4 -موسم ضريح الشيخ سيدي محمد بن حساين الحضري
ومن خلال ماسبق لابد من استحضار مآثر قطب من أقطاب العلم و التصوف الذين خلدوا أسماءهم عبر آثارهم القيمة ، وإسهاماتهم النيرة ، التي تعد نبراسا يضيء سماء الفكر الإنساني ، وسراجا ينير الطريق قدوة للسالكين ، وملاذا للخائفين .إنه الشيخ الإمام ، والعلامة الهمام ، العارف بالله ، الغوت المحمدي ، سيدي محمد بن احساين الحضري ، مؤسس الزاوية الحضرية الدرقاوية المتواجدة بدوار ” اكلالة العليا ” ، المزداد سنة 1885 والمتوفى سنة 1980 م ، الذى كان بحرا زاخرا في العلم ، وجبلا راسخا في المعرفة ، حيث درس مختلف العلوم النقلية والعقلية وسار على نهج كبار العلماء والفقهاء ، لقد تأسست زاويته على تقوى من الله ورضوان واستنارت بتعاليم كتاب الله الحكيم وسنة نبيه الكريم واهتدت بسير أولياء الله العارفين بعيدا عن كل أشكال الممارسة الصوفية المغالية كما كانت ولا تزال تضطلع بمهام علمية واجتماعية في حاضرة كلالة العليا ببني أحمد الذي يعد مركز إشعاع ديني وروحي بإقليم شفشاون الذي نبغ أبناؤه بالقضاء والإمامة والخطابة والعدالة والفقه والفتوى والأدب والتجارة مع النزاهة وذيوع الصيت. ومن أبرز أنشطة الزاوية إضافة الى حلقات الدروس الدينية والذكر وتعليم مبادئ الشريعة والعلوم الفقهية والتفسير وتحفيظ القرآن ، تقديم المساعدات للفقراء المعوزين واستقبال وإيواء الأرامل واليتامى خصوصا في المواسم والأعياد الدينية الذي تعرف توافد العديد من الزوار والمريدين من مختلف مناطق المملكة.

5- نبذة مختصرة عن سيرة الشيخ العارف بالله سيدي محمد الحضري .
هذه نبذة عن حياة و مكانة الشريف الوالي الصالح و الشيخ المربى سيدي محمد بن احساين بن اعبود المنتمي إلى جده الوالي الصالح سيدي محمد الحضري لقبا الحسني نسبا المدفون بزاويته الشهيرة الموجودة بشاطئ البحر الأبيض المتوسط بإقليم الناضور و يقام له موسم ديني سنوي يقصده الزوار للتبرك.
نسبه:
هومحمد بن محمد بن احساين بن اعبود بن عبد الله بن علي بن إبراهيم بن إسماعيل بن عيسى بن قاسم بن منصور بن عمر بن علي بن أحمد بن عمران بن عمر بن المولى إدريس بن مولانا إدريس الأكبربن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي و فاطمة الزهراء سلام الله عليهما , و هو كما جاء في كتاب مصابيح البشرية في أبناء خير البرية لصاحبه أحمد الشيباني الإدريسي و هو نسب الحفيدالمربي والشخصية في زمنه.
ولادته و تعليمه :
ولد رحمه الله بقرية كلالة العليا من قبيلة بنى أحمد إقليم شفشاون و على مسافة من المدينة بستين كلم, ولد عام ألف و ثلاثمائة و ستة, 1306هجرية موافق 1885م, و بها تربى و تعلم على أبيه الحافظ القراءات السبع أولا فحفظ القرآن حفظا متقنا بقراءة ورش و عشر أحزاب بقراءة البصري, ثم انتقل يطلب العلم على كبار المشايخ بالبوادي و القرى ذات الجوامع التي يوجد بها حلقات العلم و التعلم و بعدها انتقل إلى القرويين بفاس لإتمام العلمية و منها تخرّج بعدما ملأ دلوه بما كان يدرس بها آنذاك من العلوم الدينية و غيرها, و لولا مداهمة الجيش الاستعماري و احتلاله للمدينة تطبيقا للحماية التي فرضت على المغرب لبقي هناك بالجامعة و عُدَّ من أساتذتها الكبار. و رغم ما صاحب ذلك من الفتن و الأهوال فقد نجا بنفسه حتى وصل مسقط رأسه بالإجلال و الإكبار حيث سبقته مكانته الرفيعة لما ظهر عليه من العلم و العمل و الجد و المروءة و بغضه للاستعمار فسار بذكره الركبان و الشمال لا زال حرّا.
المحور الثاني : عوامل إستقرار السكان بالمنطقة .
انطلاقا مما سبق تناوله عن البناء العضوي والإجتماعي لقبيلة بني أحمد بصفتها قبيلة كبيرة وقديمة لها تاريخها العميق وتعود لأصول بربرية عميقة وتميزت بتعدد مشاربها وقاطنيها الذين هاجروا إليها من مختلف القبائل المغربية وخاصة المجاورة، تتفرع هاته القبيلة إلى فرق كثيرة ومتعددة، وهي بدورها تضم العديد من المداشر التي تحتضن بين ثناياها العديد من السلالات والعائلات الشريفة والعريقة بالمنطقة ودورها الريادي في مواجهة الإستعمار والوفاء للسلطة المركزية من خلال عقد البيعة، وانطلاقا أيضا مما تناولناه عن تاريخ القبيلة ولغتها، وجغرافيتها وعاداتها وتقاليدها المتنوعة، والتي لا ندعي أننا وصلنا فيه حد الإكتمال.
كما أن ارتباط الإنسان بهذه المنطقة قديم ، إذ يعود إلى بضعة قرون ويرجع إلى عدة عوامل:
العامل التاريخي .
والذي كان له دور كبير في هاذا الإستقرار الذي أهلته الظروف السياسية والإجتماعية خاصة وأن الموقع الإستراتيجي لجبال الريف في حوض البحر الابيض المتوسط وبالتالي اعتبرت كبوابة بالنسبة للغزوات الأوروبية .
العامل الطبيعي :
يتجلى من خلال قراءة خرائط توزيع السكان والكثافة السكانية ( خرائط الأطلس لسنوات 1961-1971) تلفت نظرنا إلى الكثافة المرتفعة لسكان جبال الريف والتوزيع الغير المنتظم في هذه السلسلة ، فنخلص إلى القول بأن عدم الإنتظام هذا وتفاوت الكثافات من مكان لآخر تمليه الظروف الطبيعية بشكل نسبي وأن السلاسل المرتفعة شبه فارغة من السكان (الظهر الكلسي) في حين ينتشرون في سافلة سفوحها على شكل أحزمة للقيام بالزراعة واستغلال الفرشات المائية التي تخرج على شكل عيون عند أقدام الجبال وأغلبها يتمركز في السفوح الأطلنتية الاكثر رطوبة ، كما يوجد تجمع سكاني كثيف.
2-العامل والإداري.
إن القبيلة المغربية بصفة عامة قد تعرضت عبر تاريخها إلى تغيرات جذرية وعميقة أثرت بشكل مباشر في حجمها ووظيفتها عبر مساراتها التاريخية، وخاصة مرحلة ما بعد الإستعمار وحصول الدولة المغربية على استقلالها، في ظل مواصلة القبيلة لولائها للسلطة المركزية ودعم الحكم المركزي وتمتين المؤسسات الرسمية.وعلى مستوى البناء القبلي سعت المنطقة للحفاظ على تماسكها واستقلالها ونفوذها في الوقت نفسه نحت في منحى الطاعة والولاء للسلطة المركزية التي يمثلها السلطان،كما عرفت جماعة بني أحمد الشرقية تحولات عميقة وهامة على رأسها الإنتقال من مرحلة الحكم القايدي والشيوخ والمقدمين ونهاية نظام ” القاضي المقيم ” الذي كان يشرف على الجهاز القضائي وانتقال القضاء رسميا ، تحت إشراف المحكمة الإبتدائية لشفشاون.
-2- العامل الاجتماعي:
إن القبيلة هي مكون اجتماعي رئيسي في التركيبة السكانية لكثير من الكيانات السياسية، وهي كذلك عائلة كبيرة جدا تنقسم لعوائل أصغر حتى نصل للبنية الأساسية المكونة من الزوج والزوجة، وتشكل الأسرة داخل البنية الإجتماعية لقبيلة بني أحمد النواة الأساسية والرئيسية للقبيلة، حيث كانت بعض الأسر تشكل نفوذا قويا في القبيلة في حكمها وتوجيهها.
إن الأسرة ببني أحمد لازالت متماسكة وقوية كما كانت، بالرغم من انتقال غالبية أسر بني أحمد من نمط الأسرة الممتدة التي تسكن الكانون الواحد، إلى أسرة نووية مستقلة بسبب التحولات الإجتماعية، و الإسقلالية المادية التي حققتها زراعة القنب الهندي، والعولمة التي يشهدها العالم وبسبب بروز مشاكل أسرية وعائلية فرضتها تطورات الأوضاع، مع ارتباط غالبيتها بالأرض.
إن امتداد الأسرة في بني أحمد، وتقلصها واشتراكها في السكن، يعود إلى التكافل الإجتماعي نظرا لهشاشة الإقتصاد المحلي، وتراجع المنتوجات الفلاحية، وارتباط الناس بموارد اقتصادية خارجة عن القبيلة بعدما كانت تعيش اكتفاء ذاتيا نسبيا. كما اعتاد الناس على الهجرة منذ زمن لهشاشة اقتصاد المنطقة، وقلة الموارد الطبيعية، وضعف البنية التحتية، وغياب الكهربـــاء، والطرق، والمؤسسات الإجتماعية والتربوية، وفي السياق ذاته نسجل طبيعة التعايش والتساكن السائد بين ساكنة أصلية محلية وساكنة أخرى وافدة من القبائل الأخرى أو من داخل القبيلة الواحدة ; بني أحمد – وضمن نظامها ونمط تسييرها وقيادتها، وعلى الرغم من هذا التساكن، نسجل الصراع الذي كان يحصل بين الفرق المختلفة وكان يصل أحيانا حد القطيعة بين فرقة وأخرى، على مستوى الأنساب والمصاهرة، كل فرقة كانت تسعى لتزويج أبنائها داخلها. لكن سرعان ما تلاشى مع الوقت لإنتشار الوعي والتعلم.
وعلى مستوى العلاقات العائلية، وبعدما كانت تعرف بالتماسك والتضامن سرعان ما بدأت تسير نحو التفكك والصراع والعزلة، وبدأت المنطقة تسير نحو المسار الحضري المديني الذي فيه العائلات أو الجيران لا يرى بعضهم البعض الا في المناسبات غالبا.
وفي سياق الزواج الذي كان يخضع في القبيلة لضابطين أساسيين هما، الضابط الشرعي والضابط العرفي، مع بعض التحولات الشكلية طبعا وتحول بسيط على مستوى الأعراف والتقاليد بفعل التطور وارتفاع تكاليف الزواج ومستلزماته، كما أن الزواج انتقل من كونه كان يهم الجماعة إلى الأسرة فأصبح الآن يعد مسألة شخصية تهم الفرد نفسه.
ثمة تحول اجتماعي ديني آخر عرفته المنطقة، ويتعلق بدور القبيلة في تخريج ألاف من حفظة القران والعلماء، وبعدما كانت المساجد تعتبر المؤسسة الإجتماعية والدينية والتربوية الرئيسية بالمنطقة ويتخرج منها العديد من حفظة القرآن حتى من خارج المغرب، والذين يحظون بالتكريم الكبير داخل القبيلة فصار اليوم للمسجد دور واحد هو العبادة، وتراجع بصفة شبه مطلقة دوره في تخريج حفظة القرآن “الطلبة” الذي كان له صيت كبير في المغرب كله. وتحول الأمر بتخطيط رسمي ربما، لصالح التعليم الحديث رغم هشاشته.
وهكذا عرفت المنطقة أيضاً تحولات على مستوى المؤسسات والبنيات، من مستشفيات ومؤسسات تعليمية متعددة وكهربة المنطقة برمتها، إلا أن هاته الأمور رغم أهميتها فلا يمكن أن نعتبرها هي التنمية التي يترجاها السكان، في مقابل الأمية التي لازالت تشكل الغالبية العظمى من سكان المنطقة، بالرغم من بروز فاعل جديد في الحقل الإجتماعي بالمنطقة والذي يتمثل في جمعيات المجتمع المدني التي أصبحت تلعب دورا فعالا في القطاع الإجتماعي بالمنطقة، رغم بساطة الإمكانيات، ورغم محدودية المجال.
3—العامل الإقتصادي :
عندما قلنا أن القبيلة هي الوحدة السياسية والإجتماعية والإقتصادية للمجتمع/المجال. فإننا نربط شقه الإقتصادي بنوع الإنتاج الذي يميز قطاعها الإقتصادي وكذا مدى أهمية الفضاء التجاري ;الأسواق- التي ترتبط به القبيلة بالضرورة.
قبيلة بني أحمد يرتكز اقتصادها على الفلاحة بصفة عامة ;زراعة الحبوب والقطاني والزيتون- إضافة إلى تربية المواشي، وممارسة بعض الحرف والمهن التقليدية كالدرازة والخرازة والنجارة.. فهل يمكن الحديث هنا عن تحولات في المشهد الإقتصادي بالقبيلة أم أن الثابت هو ما سبق أن اشرنا إليه؟ في حقيقة الأمر أن قبيلة بني أحمد لازالت الفلاحة تعتبر عمودها الفقري،فإن الاراضي الفلاحية تشكل نسبة ضعيفة جدا بالمقارنة مع مساحة هذا الإقليم الكبير ، أمام هذا العائق الكبير نجد أن الإنسان الريفي ، بما فيه اليحمدي يتحدى هذه الصعاب ، ويتشبت بالإستغلاليات الصغيرة الحجم ذات انحدارات تفوق في الغالب 16% وذات تربة ضعيفة إذا استثنينا الأؤاضي التي توجد على ضفاف الودية ، ولازالت زراعة الحبوب والقطاني والزيتون هي المصدر العيش الوحيد للسكان، مع بروز التجارة بشكل نسبي، فما يمكن الحديث عليه في هذا الصدد هو أن فتح المسالك الطرقية، قد ساعد سكان القبيلة على امتهان التجارة وتسويق بعض منتوجاتهم للأسواق المجاورة بشكل سهل وسريع، كما أن زراعة “القنب الهندي” جاءت لسد الخصاص، الذي تحدثه السنوات العجاف في الزراعة المعيشية الأخرى. هذا الأمر جعل القبيلة بني أحمد تفكر في أسلوب وطريقة جديدة للرزق مما دفع المنطقة في بداية التسعينات الماضية إلى امتهان زراعة القنب الهندي “الكيف” .
خاتمة:
من خلال هذا البحث المتواضع، نخلص إلى أن قبيلة بني أحمد هي جماعة من الناس أو السكان ينتمون إلى مجال قروي صرف، وتتكون القبيلة من عدة فرق، يسكنون في منطقة أو إقليم معين ومحدد ومشترك، يعتبرونه وطنا لهم، كما يتحدث أهل القبيلة لهجة مميزة ويتميزون بثقافة متجانسة، كما أن أعضاء القبيلة يعيشون في تماسك وتآزر وتضامن ضد أي عنصر أو عدو خارجي.
ومن خلال غوصنا في هذا البحث الميداني عن أصول وأسباب إستقرار ساكنة قبيلة بني أحمد ;موضوع البحث- نخلص إلى إن هاته القبيلة هي من أصول بربرية صرفة تعربت بالكامل وامتزجت ببعض الوافدين من بعض القبائل المجاورة، وتتشكل من مجموعة من الفرق، هذه الأخيرة بدورها تتشكل من مجموعة من المداشر التي تمتزج فيها مجموعة من الأسر العريقة والشريفة النسب.
قبيلة بني أحمد كغيرها من القبائل المغربية أو كغيرها من مناطق العالم التي تجري عليها سنن التحول، هي كذلك عرفت تحولات هامة مست بالدرجة الأولى بنيتها الإجتماعية وتقسيماتها الإدارية، بالإضافة إلى التحولات السياسية التي همت تطور المؤسسات السياسية بالمنطقة وبروز أشكال لممارسة السلطة السياسية. أما على المستوى الاقتصادي فيمكننا القول أن اقتصاد المنطقة لازال يحافظ على منتوجه الأصلي، إنما حدث تحول على مستوى البنية الزراعية كالبذور وظهور زراعات جديدة بالمنطقة يسعى من خلالها أهل القبيلة إلى الربح السريع ولو بوسائل غير مشروعة.وعلى المستوى الإجتماعي خلصنا إلى إبراز التحول الذي عرفته الأسرة من شكلها الممتد إلى شكلها النووي، كما رصدنا بروز ما يصطلح عليه بجمعيات المجتمع المدني في هذا العالم القروي كفاعل جديد فيما يصطلح عليه بالتنمية.. ويبقى السؤال الذي يتمخض عن هذا البحث هو سؤال التنمية، فإلى أي حد يمكن الحديث عن التنمية، في بالعالم القروي بمفهومها الشامل في ظل الدولة الحديثة.. بدل عصبية القبيلة؟

بقلم محمد السطي.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *