الضيف22: سامية أقريو: إنتبشنا ذكاء المشاهد المغربي وللسيناريست الحق في رواية قصته بالطريقة التي تروق له

الضيف22: سامية أقريو: إنتبشنا ذكاء المشاهد المغربي و للسيناريست الحق في رواية قصته بالطريقة التي تروق له

حاورتها: جهاد مديوبي

يقول “سيرجي أزينشتاين” أن الإنتاج مهما كان ضروريا لنجاح المسلسل، ومهما بلغت عبقرية المخرج في تحديد صورة الفيلم النهائية، و أينما بلغ إبداع مدير التصوير و كفاءة التقنيين، و مهما وسمت الموهبة أداء الممثلين.. غير أن نجاح العمل كما يؤكد “ألفريد هتشكوك”، يظل في الحقيقة رهينا بكتابة السيناريو و أفكاره الإبداعية وعمقه الإنساني و مضمونه الدرامي في المجمل، حيث قال في كتاباته السينيمائية، أن هذا العمل الفني متوقف على ثلاثة عناصر مهمة تعد ركيزة عظمى، و هي:

1- السيناريو

2-السيناريو

3-السيناريو

 راجت عدة مقالات في عدد من الصحف و المجلات تتحدث عن “أزمة السيناريو في المغرب“، حيث تناولت مكامن الخلل أو بالأحرى أوجه النقص في كتابة السيناريو الذي أضحى يعد معضلة استعصى الخروج منها بحسب البعض، كما تداولت عدم ضبط قواعد الحكي و السرد الأدبيين.

 فأعزى البعض ذلك إلى مشكلة الحكي بينما رجح البعض سبب غياب كاتب متخصص في الميدان، أو ربما احتكار المخرجين لكتابة السيناريو، و ضعف الحوار و افتقاره إلى إبداع خلاق.

 لكن عند قراءة الكم الهائل من الإنتقادات و الأسئلة التي لا تنتهي، تتبادر إلى الذهن تساؤلات حول ما مدى إدراك و إلمام هؤلاء النقاد بمادة “السيناريو” و عما استطاع هؤلاء إنجازه طيلة هاته السنوات، ثم حجم أعمالهم الفنية و العلمية و أبحاثهم و دراساتهم الأكاديمية في سبيل تطوير السينما و السيناريو و الحوار المغربي.

 فالإنتقاد بهدف الإنتقاد فقط، بعيد كل البعد عن الرقي بفننا، ولو بعد أمد يطول.

 فالحكاية تشير إلى ما يجري من أحداث، أو يكتب في الروايات، بينما السرد هو الطريقة التي تروى بها الحكاية للمشاهد أو القارئ، و هو الآلية التي تخول بموجبها للمتلقي اكتساب معلومات عن الحكاية.

 جرت العادة أن يؤخذ السيناريو من القصص و الروايات نظرا لجمالية الحكي و الرونق الذي يسم القصة والرواية، مما يُلبس السيناريو حلة أدبية محضة، تترجم بعدها إلى مكان وزمان سينيمائيين.

 و خير دليل على نجاح الرواية في تشكيل نص سيناريو رفيع، هو كم القصص والروايات التي تحولت إلى أعمال سينيمائية عالمية، نذكر منها “الخبز الحافي لمحمد شكري” وهمنغواي وتولستوي وديستويفسكي، ثم الشهيرة Notre dame de Paris لفيكتور هيجو و رواية Madame Bauvary للأديب الفرنسي غوستاف فلوبير، و Bel Ami للأديب گي دو موپاسان، و”الكلاب” للأديب المصري نجيب محفوظ، و “في بيتنا رجل” للروائي المصري إحسان عبد القدوس، و“رجال من الشمس” للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، ورواية «الفيل الأزرق» للروائي المصري أحمد مراد التي حققت مؤخرا نجاحا باهرا.

 فهل كتابة السيناريو في المغرب عمل فني إبداعي محض، و هل حققت كتابة السيناريو طفرة فريدة مؤخرا، كانت أول خطوة فيها تكوين شباب عاشق للحكي في مجال السيناريو لتصدر منهم إبداعات ذاع صيتها و أقحمَت لدى المشاهد أحاسيسا مزجت الغضارة و الشجن.

 ضيفتنا اليوم، هي الشحرورة الصغيرة للشاشة المغربية، مدللة شفشاون، رائعة في التمثيل و مبدعة في السيناريو، الأم الحنون، و الزوجة الرائعة، و المرأة المكافحة القدوة، هي الخلاّقة المبدعة، خاضت تجارب متنوعة المشارب و غنية بالدروس كالتمثيل و السيناريو و الحوار و الإخراج،  هي الفنانة الراقية، و اسمها يدل عليها و على سموّها بالفن درجات.. “سامية أقريو”.

 سنتطرق للحديث معها في حوار خفيف عن تجربتها بين السيناريو و التمثيل، و سنركز على آخر أعمالها “ياقوت و عنبر” ، الذي طرح قضايا راهنة حقيقية و متنوعة، انتقلت بنا من التحرش الجنسي في ميدان العمل إلى معاناة عمال و عاملات النظافة، إلى التبخيس أو “الحكرة” التي تتجرعها المرأة في ميدان العمل و تكالُب المجتمع عليها، ثم طرحت مشكل الإدمان في صفوف الشباب و ضرورة الأخذ بيدهم لإعادة إدماجهم داخل المجتمع كعناصر فعالة و صالحة، ثم حال المرأة التي لم تحقق في حياتها مبتغى سوى مؤسسة زواج فاشلة، و تحولها بذلك لامرأة خاضعة تخفي و تتحمل.. حتى يؤول مصيرها إلى ما لا يحمد عقباه، فكم من “نبيلة” نراها في المجتمع تقاسي في صمت، ظنا منها أنها تسلك طريق النجاة،.. ثم انتقلت بنا أحداث المسلسل إلى فئة الصم البكم التي تعاني من التهميش و الإقصاء، كذا تفضيل بعض الأسر للذكر على الأنثى..

 فلم يكن تحقيق “ياقوت وعنبر” أرقام مشاهدة ناهزت التسعة ملايين مشاهدة، الدليل الوحيد على نجاحه، بل أكد أن تفوقه في مصالحة المشاهد المغربي مع الدراما المحلية، ما كان سوى ثمرة اجتهاد و سحر إبداعي.

 كما أنها ثمرة زرعت بذور شجرتها قبل ثلاث سنوات، و انبثقت فكرتها منذ سنة2017، لتحولها الفنانة سامية أقريو إلى ملخص تقاسمت أول خيوطه بين زميليها الفنانة نورة الصقلي و جواد لحلو، لينسجو معا خطوط الحكاية و فروعها لتتشعب فيما بعد لأحداث و معالم شخصيات،.. كما تصدر العمل قائمة البرامج الأكثر مشاهدة على القناة الأولى.

 اختارت السيناريست سامية أقريو إلى جانب زملائها الطريقة الصعبة في سرد الأحداث، و التي اعتمدت على “الفلاش باك” بالتطرق لماضي الشخصيات بدل الطريقة الكلاسيكية التي ترتكز على مقدمة وعقدة ثم خاتمة.

 تشبث فريق العمل بالحلم و آمن بالفكرة حتى بعد أول عقبة واجهته، و التي قضت حينها برفض السيناريو من قبل لجنة الانتقاء بالشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، حتى تحوّل إلى واقع.

 بكل إيثار و نكران ذات، تموقعت سامية أقريو خلف الكاميرا، دون أن تدلل نفسها بأي دور في المسلسل، حيث رأت الدور منذ البداية يليق بزميلتها و صديقتها الفنانة الجميلة و المتألقة نورة الصقلي.. و هذا نص ما جاء في الحوار:

 الشاون24: أولا، قبل الخوض في الأسئلة، تحدثي لنا عن سامية الإنسانة قبل الفنانة..

  سامية: لا أعرف كيف أتحدث عن نفسي لأنه شيء صعب للغاية بالنسبة لي، فأنا امرأة عادية، لها أولاد و زوج..

 و باختصار فسامية امرأة مكافحة و تحاول جاهدة أن تكون مواطنة صالحة بجميع المقاييس.

تعشق عملها، حيث أنها مولوعة بالكتابة و التصوير و الميدان الفني ككل، كما تحب التكوين لأنها أستاذة التعليم الفني.

 الشاون24: كيف تعيش سامية حجرها الصحي؟

 سامية: أعيشه كعامة الناس، أقرأ و أطالع تارة و أنام أو أرتاح تارة أخرى، و مرة أطبخ و أخرى أزاول الرياضة في بيتي..

  الشاون24: كيف تحولت سامية أقريو من التمثيل إلى فكرة السيناريو؟

 سامية: بالنسبة للسيناريو فقد شرعنا في الكتابة و قررنا ذلك، منذ الجزء الثاني ل”بنات لالة منانة”، لأنه بعدما كنا نقوله للكتاب المخضرمين أو الأكفاء و الأكاديميين إن صح القول و ما كنا نرويه لهم.. وجدنا أن الحكاية التي كنا نرويها لا ترد إلينا كما أردناها، فقررنا أن نخوض غمار الكتابة و أحببناها، لأنه كما نقول بالعامية “ما يحك ظهرك غير ظفرك”..

و قد خضنا التجربة لنروي حكايتنا “بنات لالة منانة” التي تطورت من مسرحية لمسلسل في جزئين، فالتحقنا بالركب و شققنا خطانا على هاته الطريق التي كانت تخيفنا شيئا ما من قبل.

 فقبل الكتابة زاولت الإخراج، و بما أن مهنتي الأولى هي التمثيل، بقيت قريبة من جميع الفنون… مما سهل علي المرور للكتابة و قمت بتكوين و تدريب بألمانيا حول كتابة السيناريو، و هذا ما شجعني للإستمرار فيها.

 الشاون 24: حقق ياقوت و عنبر نسبة مشاهدة قاربت 10 ملايين، فكيف أتت فكرة المسلسل؟

 سامية: فكرة المسلسل صرحت بها لمرات عديدة لمختلف المنابر الإعلامية، و هي فكرة راودتني في رمضان سنة 2017، حينما كنت بصدد قراءة قصص و أساطير الأطفال لإبني، و بعدها راقت لي الحكاية لأنها تحكي و تعالج مسألة تفضيل الذكر عن الأنثى و التفريق بينهما.. ثم المرأة التي ترزق بالبنات فقط، و تضطر لاستبدال إحداهن..

 فهذه كانت قصصا تروى لنا أيضا مند الطفولة، و قلت لما لا كتابة ذلك، لأننا على تمام الدراية من أن ذلك وقع في كثير من العائلات المغربية العريقة، التي تخفي أسرارها طبعا ككل الأسر، حتى تكتشف الحقيقية في أحد الأيام، بسوء نية أو بحسنها.

 شرعت في كتابة ملخص القصة، ثم بعثت بالقصة لصديقيَّ نورة الصقلي و جواد لحلو، فاستحسنا الفكرة، و شرعنا في رسم عوالم الشخصيات و عوالم القصة.

 الشاون 24: لماذا بالضبط اعتماد تقنية الفلاش باك بشكل كبير، ألا تظنون أن ذلك يقصي فئة من المشاهدة لاستعصاء فهمه على الكثيرين؟

 سامية: التقنية كانت قرارا اتخذ منذ البداية، و هي حكي القصة بزمنين، هناك زمن الماضي الذي يعطينا فكرة عما حصل من قبل 25 سنة و الذي يتمحور حول استبدال الطفلين، و زمن الحاضر.

و من هنا جاءت فكرة تقنية الرجوع إلى الأحداث في كل مرة، منذ استبدال الرضيعين حتى صارا شابين في 25 من عمرهما و كل منهما في أسرة، ثم كيف نتيح للمشاهد بعدها أن يعيش بينهما مع إقحام شخصيات أخرى.

 فبالرجوع إلى الوراء و إلى الحاضر، خلّصنا السلسلة من الفتور و الملل في طريقة الحكي الكلاسيكي.

 فحتى هذه الطريقة توقظ دهاء المشاهد و تستخلص ذكاءه بغرض التتبع و الفهم، لكي لا نعطي خبزا جاهزا للأكل.. على المشاهد أن يشارك في تحضير العجين وتسويته قبل أكله، ليكون في العمل نوعا من التشاركية.

 نادينا خلال عملنا هذا على ذكاء المشاهد المغربي، و الحمد لله المتفرج ذكي و لا حاجة لممارسة الوصاية عليه لنزعم أنه لن يستطيع الفهم.

 فمن لم يفهم سيعيد المشاهدة و سيفهم و من فهم فذاك هو مربط الفرس.

 فهذه حكاية و هذا اختيار، و من حق كل واحد أن يروي حكايته بالطريقة التي تروق له، سواء بطريقة كلاسيكية أو باعتماد طرق أخرى. على أي، راقت لنا الفكرة فطبقناها، إن تقبلها الجمهور أم لا، فهذا يبقى من اختصاص المشاهد الذي وجب سؤاله و استفساره عن رأيه. فنحن قمنا بعملنا و انتهينا منه.

 الشاون 24: كيف أتى اختيار شخصية عزيز الحطاب الذي ألفناه في أدوار كوميدية في أغلب الأحيان؟

 سامية: كل ما أتى بعد الكتابة ليس من اختصاصي، فأنا لم أتدخل لا من قريب و لا من بعيد في العملية الإنتاجية و لا الإخراجية. لكن ما يمكنني أن أقول هو أن اختيار الفنان الكبيرعزيز الحطاب ليجسد “شخصية مولاي أحمد” كان موفقا جدا، حيث استطاع إقناع الجمهور و المتلقي و نحن كذلك ككتاب بأنه أهل لتلك الشخصية.

 الشاون24: ألم يكن الإعتماد على وجوه جديدة و حديثة العهد بالتمثيل (و هي فكرة جيدة)، مخاطرة كبيرة خصوصا أن الأدوار التي أسندت لهم كانت غاية في الحساسية، كندى، و سعد موفق و ربيع الصقلي؟

 سامية: كما سبق و قلت لك، لم أكن في مرحلة الإختيار.

لكن ذلك أسعدني جدا صراحة، فنحن على الدوام ننادي شركات الإنتاج بإعطاء الأسبقية للشباب و الوجوه الجديدة ممن التحقت بالمعهد العالي للفن المسرحي و التنشيط الثقافي، أو المعاهد الأخرى..

لأن هؤلاء الشباب أعطوا من وقتهم و من حياتهم 4 سنوات لدراسة التشخيص و التجسيد، بدل أن تعطى لأحد فقط يهواها أو أرادها أو أعطيت له بمحض الصدفة.. أؤمن بالموهبة نعم و بالهواية طبعا، لكن التكوين شيء مهم جدا.

 و خير دليل هو ما رأيناه في مسلسل “ياقوت و عنبر” و ما أبدعت هاته الباقة من الشباب في تقديمه، حيث كانت شجرة يافعة أعطت ثمارها ناضجة و حلوة.

كما استحسن الجمهور أداءهم جدا، و “هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون”؟ فالأولوية لمن أعطى من وقته لدراسة التمثيل، فحتى إن فشل في ذلك، قد نمر لحلول أخرى بعدها.

حينما أقول تكوين، فأنا لا أخص بالذكر معهدا أكاديميا معينا دون آخر، لكن هناك تكوينات و ورشات ثقافية و فنية، و المعاهد البلدية.. لكن التكوين مهم، حيث يلعب دورا تكميليا للموهبة إن وجدت و يصقلها جيدا.

 الشاون24: ما الدافع وراء الفكرة الجديدة التي أتى بها المسلسل و المتمثلة في إعادة الإعتبار لفئة “الصم البكم”؟

 سامية: طبعا، أردنا بذلك إعطاء اعتبار لفئة مهمة في المجتمع و المتمثلة في الصم البكم، لأن ذوي الإحتياجات الخاصة كانوت دائما موضوعا في صميم و في صلب اهتماماتنا، و كنا نفكر في كيفية طرحه و إعادته إلى الواجهة.

حيث لا نقبل أن نقحم شخصية فقط لإثارة الشفقة و عواطف الآخرين فقط، بل فرصة لفرض تلك الشخصية و لمعالجة القضية بموضوعية و لتكون محط نقاش، كذا لترى هاته الفئة نفسها مجسدة في المسلسل شأنها شأن باقي فئات المجتمع الأخرى، لأنها في آخر المطاف منا و إلينا.

 الشاون24: هل تطَلّب ذلك من الممثلين تدريبا طويلا على لغة الإشارة؟

 سامية: طبعا، فقد تطلب ذلك الدور من الممثلة ندى التي قامت به، تدريبا على لغة الإشارة  دام شهران، فوصلت الفكرة و ظهر المقصود من ذلك.

 الشاون24: لطالما اقترن اسم سامية أقريو بتواجد الفنانة نورة الصقلي، فهل تتجاوز علاقتكما “علاقة المهنية” ؟

 سامية: لطالما طرح علي هذا السؤال مرارا و تكرارا. فعلاقتي بنورة الصقلي كانت علاقة صداقة قبل “المهنية”، منذ أن كنا طالبتين في المعهد العالي، حيث كنا ننحدر من نفس المحيط الثقافي و من نفس المنطقة تقريبا، و تربينا في نفس البيئة الإجتماعية و الثقافية، كل منا تحب الأخرى أكثر، و كان شعورا متبادلا على الدوام.

 فأتت بعدها العلاقة المهنية التي توجت علاقة الصداقة و زادتها توطيدا، فتولد عنها عدة  أعمال فنية ستطبع إلى الأبد تاريخ الدراما المغربية و المسرح أيضا.

 أرجو في النهاية دوام العافية و الصحة لجميع مكونات الجمهور المغربي، و أتمنى ألا نكون قد خذلنا متابعينا داخل و خارج أرض الوطن، كما أريد أن أقول لهم جميعا، أننا ما ارتقينا من سلم العلم إلا درجات، فما زلنا نتعلم، و نخطئ و نصيب، فقد قطعنا أشواطا و ما زالت أشواط كبيرة و خطى عديدة سنخطوها معا في مسيرة النجاح و الرقي.

 فمرحبا بجميع ملاحظاتهم غير اننا نطلب منهم الرفق و الرحمة في التعامل مع العمل الفني، و الأخذ بعين الإعتبار أن العملية الإنتاجية في المغرب غير سهلة بتاتا.

 و تحياتي للجميع.

Loading...