ads x 4 (3)
ads x 4 (4)

الضيف18: هالة بنسعيد: ذاع صيت الحضرة الشفشاونية بين الفنون، والأسرة الملكية رفعت لنا القبعة

الضيف18: هالة بنسعيد: ذاع صيت الحضرة الشفشاونية بين الفنون، والأسرة الملكية رفعت لنا القبعة

حاورتها: جهاد مديوبي

 يعتبر فن الحضرة الشفشاونية فنا متجذرا في تاريخ مدينة شفشاون، حيث تعود جذور هذا الفن ذو الطابع الصوفي إلى القرن العاشر الهجري، و ترتكز مواضيعه على الحب الصوفي ومدح النبي على الطريقة الأندلسية، من خلال إيقاعات جميلة مختلفة.

  كان نطاق فن الحضرة الشفشاونية قبل 2004 لا يتجاوز حدود الخيام وقاعات الحفلات بهاته المدينة، فكان لندة من الزمن فنا محليا بامتياز ولم يكن موثقا، بل فنا شفهيا تناقلته الأجيال.

  بعد تأسيس مجموعة ذة. رحوم البقالي، تعرف المغاربة قاطبة على هذا الفن الجميل داخل الوطن و خارجه، ثم أتت بعدها مرحل الجميلة الهادئة، الشابة هالة بنسعيد، التي أعطت بعدا جديدا و حلة مغايرة لهذا الفن.

 فالحضرة مصطلح إسلامي صوفي كان يطلق سالفا على مجالس الذكر الجماعية للمنتمين للطرق الصوفية السنية، و التي تتيح الوصول إلى لحظة الصفاء.

كما سميت الحضرة لاستحضار القلب مع الله فيها، و الذي يعد ركنا هاما في طريق الصوفية، كما تلقى فيها الأشعار و قصائد الإنشاد الديني، والمديح  النبوي والدعاء والذكر الجماعي بشكل إيقاعي.

 يستخدم المحافظون الصوفيون الدف أثناء الحضرات، في حين أن الحضرة الجديدة و نخص بالذكر طريقة هالة بنسعيد في الحضرة الشفشاونية، صارت تستخدم آلات أخرى، غير أن المجموعة حافظت على زي تقليدي تراثي، حيث ترتدي النساء عضوات المجموعة ملابس تقليدية لشفشاون وهي القفطان والطاكون وجوهر فرسانه وسبنية الحرير، وحزام دق المكينة.

 و للإشارة فالحضرة تعرف بهذا الاسم في الدول العربية وبعض الدول الإسلامية غير العربية، مثل إندونيسيا وماليزيا، في حين تعرف بأسماء أخرى في تركيا ودول البلقان.

 تعتبر مدينة شفشاون من أعرق المدن المغربية حفاظا على تراث الحضرة النسائية، حيث رأت كبرى الفنانات النور بهذه المدينة الأصيلة، التي أنجبت كبرى رائدات هذا النمط الفني الروحي والصوفي المتميز منذ أمد بعيد، حيث كان لهن صيت كبير و وقع جميل على الأذن الصوفية الروحية الغنية بروافدها التراثية و الثقافية، كما تنوعت مصادر هذا اللون التراثية ونصوصه المغناة ومرجعياته الثقافية.

 ضيفتنا اليوم امرأة شابة و نشيطة و رياضية من الدرجة الأولى.  فنانة ذات أذن موسيقية عظيمة الشأن، و راقية المستوى، عرفت بشغفها و ولعها بالحضرة داخل الوسط الفني المحلي، كما  كانت من الفنانات المتميزات بإصرار في مجال الموسيقي الأندلسية ومن المحافظات على أصول هذا الفن العربي  المغربي الأندلسي التراثي الأصيل، و من حاملات شعلة الحضرة الشفشاونية.

 دافعت و جددت و ارتقت بالحضرة إلى أرفع مستويات الإرتياح، طورت بالحفاظ على الأصيل، و بتوطين و تقنين الدخيل، حتى يواكبها و يطيع لهذا الفن الذي قل نظيره.

 ضيفتنا اليوم هي فن شفشاون بصيغة المؤنث، لم تجد طريقا مفروشة بالورود لوصول مبتغاها، لكنها أصرت على ترك بصمة و انطباع جميل يذكّر السامعين بمدينة زرقاء غاية في الرونق.

هي الهادئة و المجتهدة هالة بنسعيد، و هذا نص ما جاء في الحوار:

  الشاون24: من هي هالة الإنسانة؟

 هالة: هالة بنسعيد إنسانة شفشاونية، متعلقة بكل ما هو تراث و تميل الى العزلة و الهدوء.

 أحب ان يكون لي محيط خاص بي، مثل الطبيعة او فضاء أجد فيه العزلة اكثر من الاختلاط مع الناس، فأمارس اشياء في حياتي العادية، كأن أكتب أغنية في بالي او لحنا..

 اما بالنسبة للصفة، فأنا كأي انسان يحب ان يشتغل على كل ما هو ايجابي في الحياة، يعمل و يجتهد في كل عمل من شأنه ان يعطي اكثر و يثمر في كل أنواع العطاءات و كل المجالات.

   الشاون24: ماذا يعني الفن لهالة؟

  هالة: الفن هو هالة بصفة عامة، و أنا اقول اني خلقت فنانة..

 أستحضر هنا ذكرى جميلة لي عندما كنت في سن الخامسة، حيث حصلت على المرتبة الاولى للغناء الطفولي في طنجة، و الذي حضره الشاب خالد، فأخذت المركز الاول عن الطريقة التي اديت بها.

 غير ان بداياتي كانت في الرياضة و ليس الفن، حيث سجلت بإحدى النوادي الرياضية بشفشاون ب”الهابكيدو”، فحصلت على الحزام البني “Centure Maron“، لم تظل لي سوى درجتين على الحزام الأسود “Ceinture Noire” و لكن هنا، بدأت أهرب من نادي الرياضة لألتحق بمعهد الموسيقى، و في كل مرة كنت أتوه فيها يجدونني في معهد الموسيقى.

 و لأن جارنا كان أستاذا للموسيقى بشفشاون، و رئيس جوق الموسيقى الأندلسية هناك “السيد العياشي الفاسي” كان يقنع أبي دائما بالسماح لي بالإلتحاق بمعهد الموسيقى، فلم أستطع أنذاك الإلتحاق بالمعهد وسط السنة، فالتحقت في السنة الموالية، فرفضت الإلتحاق بالرياضة و التحقت بالموسيقى.

 خططت حينها طريقا جيدا في العامين الأول و الثاني، و تموقعت جيدا بين فنانين كبار سبقوني في الفن بسنوات، فدرست بجد و اجتهاد فصارت لي مشاركات فنية، كما أن أساتذتي لاحظوا أن عطاءاتي الفنية كانت متميزة و أعطت ثمارها.

  الشاون 24: كيف كانت بدايات هالة بنسعيد؟

  هالة: درست الموسيقى الأندلسية و العزف على آلة الكمان و أكملت دراسة الصولفيج، فانتقلت بعدها إلى مرحلة تميز، تبنتني فيها الأستاذة رحوم البقالي الغنية عن التعريف.

رأتني في المعهد، فأثارتها طريقتي العلمية في الفن، لأنه كانت لي دائما في المجموعة، أذن موسيقية خطيرة، فكنت أساهم بنسبة كبيرة في العطاءات الفنية مع ذة. رحوم البقالي في اختيار المقامات و الأوزان و كنت لها تلميذة مجتهدة، أقترح دائما و أجتهد و أعطي أفكارا جيدة.

هنا كانت بدايتي مع الحضرة الشفشاونية لأكتسب أيضا خبرة جديدة، و هي طريقة الغناء الجماعي، فانتقلت من مرحلة الاداء الفردي إلى الأداء الجماعي في الموسيقى الأندلسية، التي تعتبر غناء جماعيا، تتخلله بعض الأداءات الفردية على شكل الكورال.

 تعلمت حيتنها الالتزام بجملة موسيقية موحدة على ذات الوزن و المقام و ألا يكون صوتي خارجا عن أداء المجموعة التي كانت تتطلب انسجاما تاما بين الأصوات.

فكان بين القطع المؤداة أداء فردي لرحوم و أداء لهالة…

 و يجب أن أعترف هنا أن ذة. رحوم كان لها الفضل الكبير علي في الأداء و التعلم الاحترافي و الراقي لفن الحضرة الشفشاونية، و هذا اعتراف بالجميل و واجب، لأنها تستحق ذلك و أعطت الكثير للحضرة الشفشاونية، للرقي و النهوض بها.

فكانت تلك إذن بداية الأداء الإحترافي و الرقي بالمستوى الفني و دام ذلك سنوات و لمدة ليست بالهينة.

  الشاون24: ماذا تعني لك الحضرة الشفشاونية؟

  هالة: التطوير و التجديد في فن الحضرة و الملاحظة بأن التراث هو ليس قرآنا منزلا يظل كما كان، شيء مهم للرقي به.

 فيجب أن نعلم كيف نطوره لنوصله لأولادنا و لأجيال صاعدة، فنحن لم نتقبله بسرعة في بادئ الأمر، حيث كنا نجده ثقيلا شيئا ما، و هذا واقع.

فكان واجبا أن يتوطن و يتجدد، فوقع عليها تطوير. فالحضرة قديما ليست هي الحضرة التي نسمع اليوم، فالأصل في الحضرة كان زاوية سيدي علال الحاج،

فكان اختلافا على مستوى الناحية العلمية و الموسيقية، مقام مختلف.. فجاءت بعدها فرق لتطور الحضرة عن شكلها القديم.

 فاليوم نسمع طريقة جديدة من رحوم، و من لالة خيرة و عائشة أبراق، يعني ان كلا أعطى لمسته، ثم هالة.. و هذا طبعا بعد خبرة المسار الفني مع الدراسة العلمية، لأني خريجة المعهد الموسيقي لمدينة شفشاون. حيث أخذت شعلة الفن لأطوره، ليس بتغيير جذري لكن بتطويره بحداثة و مع حفظ التراث بصيغة الموروث، أي اجتهاد يزيد من رقي الفن و قيمته الثقافية.

 فأشتغلت على الزيادة في رقيه، لشد آذان المستمع ليسمع الحضرة دون إثارة رتابة أو نمطية، و لتكتمل الحصة دون ملل.

 فالأذن تنسحب حين تحس بالرتابة، فبماذا سنفيد الفن اذ لم نغير فيه للأفضل و نعطي فيه الكثير بعطاءات جديدة و نجتهد فيه فقدمنا إضافة الآلات الموسيقية على مجموعة الحضرة الشفشاونية، فكنا سباقين لاستعمال آلة القانون و العود.. لأنها آلات عريقة ذات جذور عربية عريقة، ليس نفس الشأن حينما نتحدث عن القيثارة مثلا او غيرها التي هي آلة حديثة العهد و غربية ايضا.

 طورنا اذن في اطار تاريخنا الاندلسي العربي العريق بتحديث و تقنين الفن، و بالاشتغال على القالب الايقاعي الصحيح ومن الناحية العلمية، بايقاع مركب مثلا يتكون من وحدات زمنية و حركات بطيئة، مع الحفاظ على مقام واحد طول الوقت.. بتثبت طريقة الغناء أيضا، حيث يجب علينا ان نغني بطريقة صحيحة لأن الآلات لها دور تقنين طريقة الأداء الفني الغنائي، بإنسجام و روحانية للمستمع لإمتاعه.

  فهل هذا ينقص من قيمة الحضرة؟ بالعكس، يزيد من قيمتها بشهادة كبراء الخبراء في الفن المغربي و بتشجيع من المادحين الروحانيين.

   الشاون24: هل نالت في نظرك الحضرة الشفشاونية ما تستحقه على الساحة الفنية؟

  هالة: الحضرة الشفشاونية نمط ذاع صيته منذ، 2004 ثم بدأ نمط الحضرة في الانتشار بعد ان كان مقتصرا على مناطق قليلة اي الشاون فقط و بعض المناطق المجاورة لها.

بعد ذلك أعطتها الأستاذة رحوم البقالي إشعاعا وطنيا، فكانت السباقة للحفاظ على التراث و نشره، كذلك الأستاذة عائشة أبراق في الجوق و هي تعتبر الأساس و اللبنة التي أعطت انطلاقة الحضرة على المستوى المحلي، ثم ارتقت بها نحو المستوى الوطني.

 كما كان للأستاذة رحوم البقالي عظيم الفضل على الحضرة الشفشاونية و على تطوير القصائد من الطريقة التقليدية إلى تلحينها بطريقة عصرية ثم أتت بعدها مرحلة هالة بنسعيد.

 فالحضرة الشفشاونية على العكس أخذت ما تستحق، و لن أفوت المناسبة دون شكرمن سهروا عليها.

فمسؤوليتنا الآن كشباب هي حمل المشعل لمواصلة تطويرها بالبحث العلمي، و أنا بالمناسبة أحضر كتابا سيصدر قريبا بعنوان “التراث بين الأصالة و التجديد”، حيث نشتغل فيه على تطوير ملموس و ليس القول فقط.

  الشاون24: كيف أتت فكرة تكوين مجموعة الحضرة الشفشاونية؟

 هالة: الحضرة الشفشاونية تطلبت مني عاما من الدراسة و التقييم بيني و بين نفسي، فسمعت الحضرة من عديد من المجموعات و أعدت العملية مرات عدة و فكرت، فكنت صراحة أرى في كل مرة اسمعها فيها شيئا ناقصا في اذني، ليس نقصت من الفرق الموسيقية لكن اتحدث عن النمط الفني.

 فدراستي المتواضعة كانت تلح علي أن هناك شيئا ناقصا و بما أنني أخذت طريق التجديد و البحث فقد قلت لما لا أكون سباقة في اقحام الآلات على هذا النمط.

 كان لي اصدقاء خريجي معاهد الموسيقى بأنحاء المغرب، أتوا لزيارتي في اجتماع ناقشنا فيه الفن بشفشاون ثم تحدثنا عن الحضرة، فكانت رفقتي سيدة تعزف القانون و اخرى العود، جربنا و رددنا بعض القصائد بالآلات، فلما عزفن معي و دخلت الآلات على المشهد الفني، كانت نتيجة غير عادية تسمع فكانت اضافة خطيرة على الحضرة، فانتقلنا من جلسة عادية الى اكتشاف لمسات على فن قائم اعطاه رونقا من الناحية الموسيقية.

 فأتت فكرة الاشتغال على هذا النمط بأساليب جديدة، فبدأنا بتأدية الحضرة و تجديد القصائد، فكنت أسمع من كبار المادحين بزاوية سيدي علال الحاج ب”الحرايق” بمنطقة شفشاون، أسمع لحنا فاطبقه و اشتغل عليه في التدريب الذي يكون بيننا مرة كل شهر، ففكرنا في الحضرة الشفشاونية بطاقة ايجابية.

   الشاون24: هل كان التغيير سهلا في البداية؟

 هالة: صراحة لم يكن التغيير سهلا أبدا، و كانت مجازفة كبيرة، و كلمة الحق انني في بادئ الامر تعرضت لكثير من الهجوم و الانتقادات، خصوصا من الناس المحليين الذين اعتبروا ذلك فنا دخيلا عليهم و منتوجا جديدا.

 لكن بعد الاستماع مرة و مرتين و ثلاث، فتقبلوا ذلك الإبداع شيئا فشيئا و دخلنا معهم في عروض حية، فكان لذلك صدى جيدا. فاستضافتنا قنوات دولية كالجزيرة و سكاي نيوز عربي، فخصصوا لنا حوارات و حلقات حول هذا التجديد و التطور في هذا الفن الاصيل.

 فقد طورت بحب و صدق و اتيت بفكرة جيدة و كان الفن لي شغفا بدل ان يكون مجرد مهنة. فحتى ظهوري قليل في شفشاون غير انه كثير في مدن اخرى، كمسرح محمد الخامس و قاعة الوزارات بالرباط و مهرجانات كبرى في فاس و الدار البيضاء، و مؤخرا كنت شاركت بالمنتدى العالمي للتصوف و هذا كان شرفا لي ان امثل مدينتي على المستوى الدولي و هذه اول مرة فعلا اصعد باسم شفشاون.

  الشاون24: كيف كان دخولك كامرأة في بادئ الأمر لميدان الفن؟

 هالة: صراحة هو أمر صعب، و الفن عموما ليس سهلا، لأن احتكاك المرأة في ميدان العمل يكون غالبا بالرجل، فنحضر مثلا في مهرجانات ليس فيها نساء غيرنا، كذا حفلات التصوير و غالب اللقاءات الفنية و الصحفية تكون غالبا وجها لوجه مع الرجل.

 فصعب ان تكون المرأة دون سند في الوسط الفني، لكني وجدت رجلا عظيما معي و إلى جانبي و برفقني دائما، و هو أمي. فكانت و ما زالت دائما معي.

 في الأعمال التي نقدمها على الرغم من صعوبة المجال و أننا في مجتمع ذكوري، لكن يجب أن نفرض فننا بطريقة جديدة، و أن نشتغل مع رجال مع فرض احترامنا و رأينا، و أن تكون لنا الأحقية في افتتاح مهرجانات برجال خلفنا..

فقد قدنا مهرجانات وطنية و استطعنا فيها فرض انفسنا و أعطيت لنا قيمة كبيرة.

و أخص بالذكر هنا العائلة الملكية الشريفة، التي كان لها جميل الوقع علينا لانها شجعتنا و رحبت بفكرة المجموعة بطريقة هائلة، حينما كنا في حفل خاص مع الأسرة الملكية.. فلما رأوا الآلات، رفعت لنا القبعة، و هذا شرف للمجموعة و لشفشاون، و هذا سيشجعنا على مزيد من العطاء.

كما أن لشفشاون عظيم الفضل علينا، و لحد الآن دعمت شفشاون هالة و الدليل هو اتصالكم الآن.

فشكرا لكل من دعمنا و لكل من يسعى للنهوض بالفن الأصيل و يحاول إحياء كل أنواع التراث من جديد.

Loading...