الأستاذ نوفل البعمري: المحاكمة عن بعد قرار أملته الظروف و قانون 22-20 أقبر بفعل الغليان الشعبي

الأستاذ نوفل البعمري: المحاكمة عن بعد قرار أملته الظروف و قانون 22-20 أقبر بفعل الغليان الشعبي

حاورته: جهاد مديوبي

العدالة مفهوم واسع وفضفاض، يقبل تفسيره الإختلاف، باختلاف الإديولوجيات والتوجهات القانونية والعرفية.

 غير أنها ولو اختلفت تفاسيرها، فهدفها يبقى واحدا وحيدا، وهو تحقيق المساواة بين جميع أفراد المجتمع ومعاملتهم جميعا بنفس الطريقة وتمكينهم من نفس الحقوق على قدم المساواة دون تفرقة قائمة على الدين أو العرق أو اللون أو الجنس أو غيره…

 فالعدالة طموح إنساني تتطلع إليه كل المجتمعات بطريقة تحترم وتتماشى مع خصوصياتها، غير أن الآلية والمؤسسة الضامنة لتحقيق هاته العدالة، تستمد شرعيتها من إجراءات قانونية، وتقوم على سلطة قضائية ذات جهاز قضائي مستقل وفعال.

 ولأن الظلم لم يكن أبدا سبيلا للرقي بالأمم بل قطيعة بين المواطن ودولته ومؤسساتها، ولأن العدالة تكرس صلة الوصل بينهما، وتخلق نوعا من السلم الاجتماعي والأمن وتؤسس لبناء مواطنة صادقة ولثقة بين السلطة والمواطن والمؤسسات، اخترنا ضيفا يمثلها.

 فأينما وجد الظلم غابت العدالة، وآل مصير المجتمعات إلى الانهيار وعدم الاستقرار والتطاحن، وشبت حرائق الثورات الصادقة منها والمفتعلة.

 فمن مصلحة الدولة، تطوير منظومة العدالة وإبعاد كل الشوائب عنها وتحصينها من كل الخروقات والاختلالات، لأن إهمالها قد يقود إلى سخط شعبي وإلى تنامي الإحساس بعدم الأمان و فقدان الثقة في هذه المنظومة، التي هي في الحقيقة، معطى لا غنى عنه لسمو الشعوب.

 كجزء من منظومة العدالة، نستقبل اليوم شخصا طبع مسار هذا القطاع بكثير من العطاء و القراءات القانونية، و ذاع صيته اجتهادا في سبيل الرقي بمنظومة العدالة، و أبى إلا أن يفعل ما بوسعه لإنصاف من لجأ للتقاضي لاسترجاع حقه، في محاولة لإعادة بناء الثقة بين المواطن و العدالة.

 نستضيف اليوم السيد نوفل البوعمري، بصفته محاميا و فاعلا حقوقيا، و هذا نص ما جاء في الحوار:

  الشاون24:  كمحامي و حقوقي، كيف ترى واقع العدالة بالمغرب؟

  ذ. نوفل البوعمري: بداية شكرا على الاستضافة، و علاقة بالسؤال، تصعب الإجابة حقا لأن العدالة أصبحت اليوم كغيرها من القطاعات الأخرى، تعرف تغيرا على مستوى واقعها، و طبيعتها و حتى مفهومها في ظل المتغيرات التي يعرفها العالم بعد إصابته بفيروس كورونا المستجد.

 هذه التغيرات انعكست على مختلف المفاهيم و القطاعات الحساسة اولها قطاع العدل و العدالة ككل، لأن ما يحدث اليوم سيؤثر، إن لم يكن قد أثر على نظرتنا للعدالة كمفوم، و كقيمة تجعل المواطن يشعر بالإطمئنان و الأمن القضائي، فالعدالة ستعيش تغيرا كبيرا على مستوى طريقة تحقيقها و كيفية الوصول إليها.

لذلك يمكن القول أن العدالة و واقعها سيعرفان تغيرات مؤسساتية و إدارية كبيرة و عميقة بعد الجائحة. إذ ظل السؤال المطروح اليوم هو كيف نحدد العدالة في ظل الحجر الصحي، في ظل التزام المواطنين بالإجراءات التي اعلنتها في هذا الإطار، و هو ما يجعلنا في ظل تقييم يومي لما يجري في هذا القطاع. و هذا التقييم هو الذي سيحدد مستقبله و مستقبل العدالة في بلادنا.

   الشاون24:  ما هو موقفكم من مشروع قانون 20-22 السالب للحريات؟

 ذ. نوفل البوعمري: المشروع عمليا أصبح من المشاريع التي تم إقبارها بسبب الرفض الشعبي الواسع لها، و بسبب كون مضامين هذ المشروع انتهكت للأسف الحريات الأساسية للمواطنين و أتجهت نحو تقييد حق أساسي من الحقوق التي كفلها الدستور المغربي و الاتفاقيات الدولية لحماية حقوق الإنسان، و هو الحق في الرأي و التعبير الذي يعد حقا أصيلا لا يمكن وفقا للمرجعية الكونية الحقوقية أن يقيد إلا إذا كان هذا الرأي يتعلق بالتمييز العنصري او العرقي او الديني، ما دون ذلك،  فالتعبير عن الرأي لا يمكن لأي سبب أن يقيد، خاصة عندما يتعلق الأمر بحقوق المستهلك، حيث أن المضامين التي أثارت الرأي العام الوطني و كذلك الشفشاوني هي تلك المتعلقة بتجريم حق مقاطعة السلع أو المنتوجات التجارية و هو تجريم كان سيمس حقوق المستهلك و يتعارض مع اتفاقية بودابيست التي صادق عليها المغرب.

 بخصوص ردود الفعل،أود أن أنوه برد فعل الشارع الشفشاوني ككل، في جل الإقليم و هو ما يعكس وجود وعي حقوقي متجذر في المدينة و الإقليم إذ أن العديد من ساكنته انخرطت بوعي في التصدي لهذا المشروع، وعلينا الاستفادة من هذا الوعي الحقوقي الآن لتقييم الوضع الحقوقي في الإقليم و بعد الخروج من الجائحة للمساهمة في وضع تصور حول حقوق الإنسان في إقليم شفشاون.

  الشاون24: هل المحاكمة عن بعد كانت في نظركم فكرة صائبة؟

  ذ. نوفل البوعمري: المحاكمة عن بعد، فرضها واقع الحجر الصحي، إذ كان لابد لهذا القطاع أن يستمر في تقديم خدماته للمواطنين و لو في حدودها الدنيا، إذ أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية كان قد قرر ان تغلق المحاكم أبوابها مع استثناء القضايا الإستعجالية،و القضايا التي تتعلق بوجود معتقلين، حيث لا يمكن أن تظل المحاكم مغلقة في ظل وجود موقوفين إذ كنا سنعرض حريتهم للإنتهاك، و لذلك و للحفاظ على هذا الحق، اي الحق في الحرية، فقد قرر المجلس الاعلى للسلطة القضائية أن تعقد جلساته عن بعد حماية لحريات الموقوفين و المتابعين و لضمان السير العادي لقطاع العدالة و لو في حدوده الدنيا، طبعا التجربة الحالية كذلك ستخضع لتقييم قانوني و حقوقي و يتحدد مستقبل القضاء في المغرب خاصة و أن هناك نقاش حول استصدار تشريع يتعلق بالتقاضي الإلكتروني، فنحن في تجربة أولية إذن، تجربة تخضع لتقييم يومي من طرف جل الفاعلين في قطاع العدالة، من محامين و قضاة و كتاب ضبط و كذلك من طرف المواطنين.

   الشاون24: هل في نظركم، مطالبات البعض بتخفيف اجراءات الحجر الصحي، رأي صائب؟

 السيد نوفل البوعمري: الكثير من الأصوات ارتفعت للمطالبة بالتخفيف من إجراءات الحجر الصحي خاصة على مستوى بعض الأقاليم التي لم تسجل فيها حالات الفيروس، من الناحية الإجتماعية قد يكون لهذا المطلب مشروعية حقيقية خاصة و أن العديد من المواطنين الممارسين لبعض المهن الحرة خاصة التجارية ظلت مغلقة و متوقفة التزاما بالحجر، و بالإجراءات التي تم التنصيص عليها من طرف وزارة الداخلية و وزارة الصحة، لذلك التصور العام الذي وضع لم يكن محليا بل كان وطنيا، بالتالي قرار تخفيف الحجر و إجراءاته هو وطني مرتبط بالإجراءات التي وضعتها الدولة، و تغييرها رهين بما سيحدث يوم 20 ماي و بالتغير في خطة مواجهة الفيروس على مستوى كل إقليم و كل جهة، أما حاليا و إن كانت تلك المطالب مشروعة من الناحية الإجتماعية فإنه علاقة بتدبير الجائحة الأمر لا يقف عن حدود رغبتنا أو حدود السلطة محليا، بل يمتد للرؤية التي وضعت على الصعيد الوطني،و هي مكلفة من الناحية الاقتصادية و الإجتماعية لكن أمام حجم الخطر و التهديد الذي قد يصيب الساكنة و حقهم في الحياة و الصحة فإنه لابد و أن نرجح كفة الحفاظ على الحق في الحياة، و يكفي فقط رؤية تجربة عدة دول ممن انتهجت سياسة الحفاظ على الدورة الاقتصادية و الإجتماعية، فكانت أرواح مواطنيها ثمنا لذلك، و لنأخذ مثلا دولة الأردن التي استطاعت أن تواجه الجائحة بالحجر الصحي الكامل و بمجرد تخفيفها لإجراءات الحجر عادت لفرضه اليوم الجمعة 9 ماي.

 لذلك فالسلطة في وضع لا يحسد عليه، و لا أعتقد أن هناك مسؤول أيا كان موقعه محليا أو وطنيا سيقبل أن تتوقف الدورة الإجتماعية نظرا لتأثيراتها على الدولة و المجتمع، بل هذه الإجراءات نحن مجبرون عليها، و يجب أن نستمر في الصبر لحين انتهاء الحجر يوم 20 ماي، آنذاك سيكون هناك تقييم وطني و محلي لتدبير الجائحة و قد يكون هناك تخفيف منها في بعض المدن و الأقاليم.

 الشاون24: ما هي نظرتك لشفشاون بعد الجائحة، هل من تغيير نحو الأفضل؟

 ذ. نوفل البوعمري: اكيد أن شفشاون تأثرت جراء الجائحة، اقتصاديا رغم أنها لا تعتمد على اقتصاد قوي، و اغلب مداخيلها تتوزع بين القطاع غير المهيكل و مداخيل السياحة التي توقفت نهائيا منذ انطلاق الجائحة، و هو ما قد يفسر تأثير الجائحة القوي على الجانب الإجتماعي للساكنة، لذلك و نحن في الحجر الصحي علينا جميعا التفكير في كيفية إحداث تغيير بنيوي محليا و إقليميا ينعكس على الجانب الاقتصادي للساكنة، سؤال جلب الاستثمارات في قطاع العقار و السياحة أصبح ضروريا، سؤال تهيئة المراكز القروية المحيطة بالمدينة أصبح أمرا ملحت، و كذا تهيئة الإقليم على المستوى الفلاحي حيث يعتبر هذا القطاع الأكثر حيوية للساكنة، فقد أصبح ضروريا تطوير القطاع و تأهيل العاملين فيه بالزراعة البديلة المنتجة…

 و الجواب على هذه الأسئلة، لا يتعلق فقط بالسلطة او المنتخبين، بل بالمجتمع الشفشاوني ككل، بمختلف فاعليه و مكوناته لإجراء التقييم المطلوب و إعادة رسم ملامح الإقليم اجتماعيا، اقتصاديا و سياسيا.

 

Loading...