الضيف 6: حوار مع عبد الحميد مصباح: السياحة الإيكولوجية فلسفة سياحية جديدة.. وهذه فرصة القطاعات لإدراك مكامن الخلل

الضيف6: الدكتور عبد الحميد مصباح طبيب مختص في جراحة الأذن والأنف والحنجرة، ورئيس مجموعة الجماعات بوهاشم التابعة لإقليم شفشاون

 

حاورته: جهاد مديوبي

كان المغرب على مر الأزمنة و ما زال، مرفأ الثقافات و مجمع الحضارات المتعاقبة، حيث حباه الله بكل مقومات الجمال الطبيعية، كما أن مزاوجته للحديث و العتيق، جعل منه معشوق السياح ومحط اهتمام الكتاب و مغري الفنانين التشكيليين و متيمي السفر..

 غير أنه خلال الحقبة الحديثة، لم تعد السياحة داخل المغرب حكرا على الأجانب فقط، بل شهدت بلادنا حركة سياحة داخلية غير مسبوقة. فأصبح المواطن المغربي يثمن لوحات بلاده السياحية، و يرغب في اكتشافها و التعرف عليها قبل التفكير في خوض غمار تجارب سياحية في بلدان أخرى، فأصبح أدرى بأن بلاده أَوْلى.

 كما أن بلادنا طورت من قدراتها السياحية بل و تبنت أشكالا جديدة من السياحة، مثل”السياحة الإيكولوجية أو الصديقة للبيئة” و التي أضحت ضرورة ملحة في ظل ضغوطات الحياة بالمدن، كذا لزاما تجاه البيئة التي لم يتوقف العنصر البشري عن إيذائها بشتى الطرق.

 كانت فكرة المنتجعات السياحية الإيكولوجية فكرة سديدة، راقت لأصدقاء البيئة في كل بقاع العالم، فكانت تجارب ناجحة في دول أوروبية كإسبانيا و ألمانيا و فرنسا.

 ضيفنا اليوم واحد من أصدقاء البيئة و الأوفياء لها على الدوام، كما أنه إنسان يحمل كل خصال الإنسانية بحق.

 رجل لم تجرده مزاولة مهنة الطب، كإختصاصي في أمراض الأذن و الأنف و الحنجرة، و التي تشكل بالإضافة إلى مهنة جيدة، “تجارة مربحة بامتياز”، من فكره النضالي و حسه الإنساني، حيث يخصص الدكتور السيد عبد الحميد مصباح و هو طبيب من القطاع الخاص بمدينة طنجة، بعد ظهر كل يوم جمعة، عيادته للإستشارات المجانية لفائدة الفئات المهمشة، من فقراء و محتاجين و أفارقة جنوب الصحراء في وضعية مادية صعبة، كتجسيد منه لاتفاقية جنوب جنوب التي ينخرط فيها المغرب و يُعَد الراعي الرسمي لها بامتياز، و التي ترمي لمد يد العون لهؤلاء الناس.

 حيث يقول السيد مصباح: ” لدينا مهاجرينا غير الشرعيين في كل بلدان العالم، يعيشون وضعية صعبة، فما نفعله اليوم لفائدة هاته الفئة في بلدنا، ما هو الا نصيبنا من مآسيهم، و لعل مهاجرينا هناك يجدون من يعاملهم بالمثل، بالمودة و الرحمة و الإنسانية”.

 و كرفيق دائم للبيئة، قاد السيد عبد الحميد مصباح بكل حب، تجربة رائدة على المستوى الوطني و الأفريقي، و التي تمثلت في منتجع بوهاشم للسياحة الصديقة للبيئة أو الإيكولوجية كما يحب المختصون أن يسموها، فكان لتجربته جميل الوقع و عظيم الشأن، فذاع صيتها لتصبح ذات دور ريادي على المستوى الوطني و الأفريقي.

 و هذا ما جاء في نص حوارنا مع الدكتورعبد الحميد مصباح، طبيب مختص في جراحة الأذن و الأنف و الحنجرة، و رئيس مجموعة الجماعات بوهاشم التابعة لإقليم شفشاون، حيث يروي لنا عن غمار تجربة المنتجع الإيكولوجي بوهاشم:

  الشاون24: أولا دكتور مصباح، بصفتك طبيبا، نريدك أن تحكي لنا قليلا عن يوميات طبيب مداوم؟

 مصباح: أولا أنوه بمكونات القطاع العمومي الذي أخذ الأمور على محمل الجد و اشتغل بحزم و ثبات، على رأسها جلالة الملك، و وزارة الداخلية..

 نحن إذن كأطباء القطاع الخاص، منذ بداية الحجر ظللنا نشتغل، و نستقبل الوافدين من المرضى، من كان مصابا بالفيروس نبعثه للمصالح المختصة، و من شخّصنا اصابته بمرض آخر نتعامل معه بحسب ما يمليه وضعه الصحي.

 طرأت تغييرات في العمل طبعا، حيث أصبح الأمر يتطلب احترازية أكثر، مثلا 30 دقيقة بين كل شخصين، لتعقيم المكان. كما أن العيادة لم تعد تسع أكثر من ثلاثة أشخاص، متباعدين بمسافة 3 أمتار، كما صار ارتداء الكمامات اجباريا، ثم عملية التعقيم في الدخول و الخروج، كذا اعتماد أدوات ذات استعمال وحيد، كما منعنا مرافقة المريض البالغ، و استثنينا المرضى الأطفال.

 كما أننا شهدنا انتشار الهلع و الخوف في صفوف المرضى الذين يشتكون من أعراض مشابهة لأعراض كوفيد19، و تأتي إلينا كقطاع خاص لتستشير و تطمئن، و منهم مرضانا المعتادين.

 فقد استمر عملنا و لم يتوقف كما حافظنا على نفس الوتيرة. كما أننا كأطباء تابعين للقطاع الخاص بطنجة، ساهمنا و ساعدنا فندق “أهلا” بأطباء الحراسة خواص، و بأطر تمريضية و طبية خاصة كذا أطباء الإنعاش، ثم كان كل ما هو تدبير لوجيستيكي من قبل السلطات الوصية، فكانت السلطة ممثلة في السيد الوالي و وزارة الصحة في مندوبية الصحة.

 فبعد اكتظاظ المستشفيات العمومية، ينقل مصابي فيروس كورونا المستجد إلى فندق “موكادور” ممن لا يعانون أعراضا خطيرة تستلزم الإنعاش، و بعد امتلاء هذا الفندق، اقترح أطباء القطاع الخاص هاته المبادرة المتمثلة في فندق “أهلا”، حيث يحظى المرضى هناك بمراقبة لدرجة الحرارة، و صحة الأكل..

  الشاون 24: ما هي صلاحيات و أدوار مجموعة الجماعات بوهاشم؟

 مصباح: مجموعة الجماعات بوهاشم، تضم ثلاثة أقاليم، و ست جماعات قروية، حيث يتمثل دورها في حماية التراث و تحفيز السياحة و تشجيعها، و الترويج للسياحة البديلة أو الإيكولوجية أي الصديقة للبيئة، كالمسارات الطبيعية..

  و كانت تجربتنا الأولى من نوعها ورائدة مستقاة من تجارب إسبانية و ألمانية و فرنسية.. حيث نحاول من خلالها تفعيل التراث و محاولة ترجمته لقيمة مضافة تعلي من شأن السياحة. حيث نهتم بأربعة محاور مهمة، حماية التراث و فتح الطرقات و تشجيع التعليم و كذا التنمية.

  الشاون 24: هل من إجراءات في ظل الجائحة؟

 مصباح: نعم عملنا على تفعيل منصة التوعية، كما قمنا بالتحسيس على صفحتنا، كما أطرنا تقنيينا و أُطُرنا، كما عملنا في إطار المساعدات الغذائية فيما يتعارف عليه بالقفة، كأشخاص و كخواص.. كما كانت مبادرات من المحسنين..

 و بينما اتجهت الأنظار كلها نحو مرضى كوفيد19، فنحن حاولنا مواكبة و مساعدة المرضى الآخرين كالمصابين بالسرطان الذين أهملوا في ظل هاته الجائحة.

كما كما كانت لنا نداءات و تدخلات في طنجة و تطوان و العرائش و شفشاون لفائدة المرضى الآخرين في ظل الحجر.

 كما كانت لنا تدخلات قبل الجائحة بخصوص التعليم و فتح المسالك، و التشوير بخصوص المدارات السياحية جميعها، برسمها الخرائطي لجميع المآوي و كذا نظام التحديد الجغرافي لكل منطقة.

 كما أن المشروع الذي سهرنا عليه إلى جانب الإسبانيين، رفع من أعداد الوافدين بزيادة 300%، خصوصا بمنطقة مولاي عبد السلام، و هذا مؤشر جد جيد و ملموس.

 كما أن الإشهار الذي قمنا به للمنتجع أشرك جميع الفاعلين من المنتخبين و الهيئات التدريسة و التعاونيات و الجمعيات، لنحسس و نفهم الساكنة دور المنتجع و الهدف منه و الخيرات التي تزخر بها منطقتهم،كما أننا وحدنا جميع السكان في يوم تحسيسي.

 كما جمعنا كل التعاونيات كذلك في المنتجع و شرحنا لهم ان السياح الوافدين سيحتاجون لمنتوجات محلية ذات جودة عالية، للرفع من مستوى المنتجع و تحفيز السياحة هناك.

نفس الشيء بالنسبة للجمعيات و دور الضيافة، جمعناها كلها في اتحاد خاص بدور الضيافة او الاستقبال.

 حيث مكن ذلك من شراكة مع المستقبلين، و هذا كله كان ثمرة مجهودات كبيرة و مستمرة.

 كما أن ذلك مكن عدة جهات من الاستفادة من المبادرة، كالاستفادة من الواح الطاقة الشمسية، ثم هناك من استفاد من تجهيزات منزلية..

 و هكذا حفزنا السياحة بمجموعة بوهاشم و روجنا لها كمنتجع ايكولوجي لا يستورد شيئا من الخارج و كل منتوجاته طبيعية و محلية.

 كان لنا شرف أول مثال على السياحة التضامنية و أول تجربة رائدة و ذلك بتنسيق مع المنتخبين و الجماعات القروية.. و هذا شيء جديد بالمغرب و يستحق الزيارة.

  الشاون24: ما هي المشاكل الكبيرة التي يتخبط فيها قطاع الصحة بالمغرب؟

 مصباح: عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم، و هاته الجائحة كانت دافعا أعاد مشكل القطاع الصحي إلى الواجهة،.. فرغم تعاقب الحكومات غير ان قطاع الصحة كان دوما قطاعا متخلى عنه، غير أنه اليوم أبان على انه قطاع اساسي، فلا وجود لمجتمع منتج ان ضاعت صحة المواطن.

 كما ان الجائحة اعادت الثقة الى قطاع الصحة العمومي بالمغرب، فأنا عملت لمدة 17 سنة بالقطاع العمومي و اعلم تمام الدراية ضعف التجهيزات و المعدات و قاعات الجراحة و غرف العمليات..

 حيث كانت قاعة جراحة واحدة متقاسمة يسن اطباء من عدة اختصاصات، فمثلا ان كان علي ان اجري استشارات ثلاث مرات في الاسبوع، و هناك 60 مريضا يحتاج لعملية، فليس لدي القدرة لفعل ذلك كل يوم، لأن هناك أطباء آخرين في حاجة ايضا لقاعة الجراحة تلك.

 فيجب ان نشجع اطر الصحة جميعها و ان نرفع من مستواها و صار ذلك ضرورة ملحة اليوم.

 يجب ان نساوي بين القطاع الخاص و العام، و نثمنهما معا، لألا يُقاد المواطن للقطاع الخاص مرغما، لكن بمحض اختيار و اقتناع.

 فيجب ان نساوي بين مستوى التطبيب في المصحات و المستشفيات على حد سواء.

 فالمقاربة قبل كوفيد 19 كانت شيئا و يجب ان تكون بعده شيئا اخر مغاير تماما، فلزم تحفيز التعليم و الصحة، و النهوض بالبحث العلمي و الفلاحة و الصناعة الغذائية.. “نتعلم و نتمدس، نتعالج و نعالج، و نصنع ما نأكله محليا”.

  الشاون 24: هل أنت راض عن العمل الحكومي في ظل الجائحة؟

 مصباح: لا يسعني إلا ان اقول نعم، على الرغم من وجود مؤاخذات، لكن هذا لا يمنع أن أكون عموما راض عن السياسة الاستباقية التي نُهجت،و كذا السلطات المحلية التي اخذت الامور على محمل الجد، بالاضافة الي القطاعات الموازية التي ظلت صامدة كالنقل و الامن.. فقد كانوا فعلا في المستوى المطلوب.

  الشاون24: ما هو موقفك من مشروع قانون 20-22 السالب للحريات؟

 مصباح: كمستشار و كمنتخب و رئيس مجموعة، و كعضو بالفرع الاقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي، انا طبعا ضد هذا القانون القاضي بتكميم الافواه، فلا يمكن للاتحاد الاشتراكي الذي كان دائما يتغنى بمبادئ حرية التعبير و الرأي، أن يقوض كل مساره الحافل و مسار نضاله بقول نعم لقانون كهذا، و الذي هو في تنافض تام مع مقتضيات دستورنا.

 فهناك شيئ غير مفهوم في ملابسات هذا المشروع الذي لم يظهر اولا بموقع الامانة العامة للحكومة، و لم يعلن عنه، و ظهر في ظرفية غريبة.

 و يجب ان نعرف ان حزب 80% من المغاربة حزب صامت، لا يصوت و لا يشارك في الحياة السياسية، لكنهم مؤخرا استرجعوا شيئا ما الثقة في المؤسسات و القطاعات التي أبانت عن حنكتها، فكيف لأحد أن يأتي ليطرح مشروع قانون كهذا يقوض كل المجهودات التي بذلت خلال هاته الفترة!

 كما نعلم ان المغرب خطى خطوات في هذا المجال، و هناك معتقلين سياسيين ضحوا لكي نصل اليوم بعد نضالهم للمرتبة الثالثة او الرابعة من حيث احترام حقوق الانسان، لنضرب كل شيء عرض الحائط بقانون كهذا؟

 فعلى من تضرر من أي شيء ان يخرج و يصرح بما تضرر منه، او ان يلجأ الى القضاء الذي سيكفل له حقه في التقاضي، دون فرض قانون كهذا يسري علي الجميع.

  الشاون24: ما هي القطاعات التي أعطت الكثير خلال هاته الجائحة؟

 مصباح: أخص بالذكر قطاع الداخلية، و التعليم و الصحة و وزارة السيد مولاي حفيظ العلمي، لأنها فعلا، وفرت كل شيئ، في حين كانت مخاوف الناس كبيرة من احتمال الجوع و انقضاء المؤن من الأسواق.

 كما أتمنى من هاته القطاعات أن تصحح مكامن الخلل، كما أدعو لاعتماد نظام أمن غذائي، و أن نتجه في طريق تصنيع ما نحتاجه لأنفسنا في اطار اكتفاء ذاتي ما أمكن، لأن كل القطاعات أو بالأحرى جلها، أبانت عن قدرتها على تحمل المسؤولية و أظهرت حنكة و قدرة غير مسبوقتين.

  الشاون24: هل تعتقدون أن معارضتكم بناءة أن هي فقط معارضة لغرض المعارضة؟

 مصباح: يوم دخلنا للمجلس، صوتنا بالإجماع على رئيسه، و هذا يعني أننا منحناه بطاقة بيضاء، و أننا نريد عملا جماعيا، و لا يمكن أن نأتي بعد ذلك لنعارضه لأجل المعارضة فقط.

 فالمجلس الجماعي، كما تدل تسميته، يتطلب عملا جماعيا، غير أن رئيس المجلس نهج سياسة ضبابية و عشوائية اتسمت بقرارات انفرادية تقصينا دائما من المشاركة في تسيير الشأن المحلي.

 و المرجو أن يفهم الكل أن الجماعة ليست لأحد، و ليست إرثا عن أسلافنا، فنحن هنا منتخبون لتأدية واجب جماعي للتسيير الجيد و الحكيم للشأن المحلي، كما تعاقب على تسييره أناس قبلنا.

 فمن غير المعقول أن تتغنى بالديموقراطية قبل كونك رئيسا، لكن عندما تصبح رئيسا و تصير الديموقراطية نقيضة مصالحك، تنهج شيئا مغايرا للديمواقراطية التشاركية !

 الشاون 24: هل من نقط اعترضتموها لكونها في غير صالح الساكنة؟

مصباح: كانت هناك اقتراحات بفتح المسالك غير أن المجلس رفضها، و كانت هناك عرقلة من قبل الرئيس بهذا الصدد، كذلك سيارة الإسعاف الخاصة بنقل المرضى لقيت عرقلة مجددا، غير أننا استطعنا و تمكنا من فرضها بطرق أخرى..

Loading...