الممالك والإمارات الأمازيغية في شمال المغرب -إمارة أبي الطواجن الكتامي نموذجا-

  • اتسمت فترة بداية القرن السابع الهجري بالكثير من الاضطرابات السياسية والاجتماعية الخطيرة؛ التي أدت في الأخير إلى انهيار الدولة الموحدية وقيام الدولة المرينية. وبين هذه الاضطرابات والقلاقل ظهرت الكثير من الثورات في مناطق عدة من المغرب. وكان من أكثرها خطورة قيام دعوة المتنبي أبي الطواجن الكتامي في قبيلة بين سعيد الغمارية، حيث كان لبروز دعوته تهديد كبير على استقرار المغرب؛ الذي كان يردأ أصلا تحت وطأة الحروب والتمزقات الداخلية من جهة، وأثار هزيمة العقاب المذلة في الأندلس من جهة أخرى.

  • وأبي الطواجن محمد الكتامي (المعروف لدى العامة والمؤرخين بأبي الطواجن الكتامي) شخصية غمارية ظهرت في زمان أفول الدولة الموحدية سنة 623هـ/1227م. وقد استغلت هذه الشخصية تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، فأعلن عن قيام إمارة جديدة (بمقومات دينية وعقدية وتشريعية مختلفة) في شمال غرب المغرب.

  • ينتسب محمد بن أبي الطواجن الكتامي الغماري، مدينة القصر الكبير التي كانت تعرف سابقا بقصر كتامة، أو قصر عبد الكريم. وقد ولد في نفس المدينة التي نشأ وترعرع بها. وأبوه كان منتحلا للكيمياء، وعنه ورث هذا الأخير هذه المهنة.

  • لقب هذا المتنبي بأبي الطواجن لكثرة الظروف التي يستعملها في تجاربه. وبالتالي نستنتج أن شخصية أبي الطواجن لم تكن تعتمد الشعوذة والسحر في دعوتها فقط، بل كانت تستعين بعلم الكيمياء من أجل إبهار العامة واستمالتهم إليه عن طريق التجارب التي كان يقوم بها هذا الأخير.

  • كانت القبائل الغمارية معروفة في هذه الفترة بانتحال السحر والتنجيم. وقد نبغ في هذا المضمار عديد من الشخصيات. ويذكر البكري عدد من الشخصيات التي اشتهرت بانتحال السحر في عصره، ويروي عمن حدثوه عن هؤلاء الكثير من العجائب والغرائب التي يصعب تصديقها.

  • كانت قبيلة بني سعيد الغمارية كغيرها من القبائل الغمارية الأخرى التي كانت تعتبر السحر والتنجيم والكيمياء من العلوم التي يجب على الإنسان أن يبرع فيها، ومن الأمثلة على ذلك ما أورده محمد الهبطي في منظومته التي أراد من خلاله تبيين الفساد الأخلاقي والديني والاجتماعي الذي وصلت إليه القبائل الغمارية حينها، من قبيل ظاهرة الوشم، واستشارة المنجمين والسحرة، وكذا الالتجاء إلى الأضرحة والأماكن المقدسة لقضاء المآرب والشؤون الشخصية.

  • كان أهالي قبيلة بني سعيد الغماريين ماهريين نوعا ما في مجال صناعة الكيمياء، ومما يدل على أن أهالي قبيلة بني سعيد الغمارية كانوا يشتغلون بصناعة الكيمياء هي قصة موليراس التي أوردها في سياق حديثه عن قبيلة بني سعيد الغمارية، إذ صرح بأن أهالي قبيلة بني سعيد الغماريين أرادوا تزوير النقود المسلمة إلى السلطان بقصد خداعه، إلا أنهم فشلوا في ذلك. وهذا دليل على أن هؤلاء كانوا يقومون بعدة تجارب في هذا الصدد، إلا أن أغلبها كانت تبوء بالفشل الذريع.

  • لما تحصلت لدى المتنبي ملكة العلم ارتحل إِلَى مدينة سبتة قاعدة القبائل الغمارية حينها وحاضرتها العلمية، وَنزل على بني سعيد بأحوازها، وقبيلة بني سعيد هي نفسها التي ظهر فيها المتنبي حاميم وبعده عاصم اليزدجمي، وَادّعى صناعَة الكيمياء فَتَبِعَهُ بربر غمارة وأقروا بدعوته وناصره.

  • لما أحس أبي الطواجن من تمكنه من قلوب الغماريين، ابتدع لهم دينا وشرائع جديدة، لم يصلنا حولها سوى النزر اليسيير؛ وأغلب الظن أن هذا الأخير لم يخرج كثير عما جاء به سلفاه، حاميم بن من الله المجسكي، وعاصم اليزدجمي المجسكي. وقبلهم متنبي القبائل المصومدية زمان الفتح الإسلامي لبلاد المغرب.

  • وبخصوص اللغة التي استعان بها هذا المتنبي في إقامة بدعته فهي اللسان الغماري، إذ تفطن هذا الأخير بصعوبة استمالة قلوب الغماريين باللغة العربية التي كان أغلبهم يجهلونها، فوضع لهؤلاء قرآنا باللسان الغماري حتى يكون أكثر قبولا وتداولا بينهم. كما قام بتشريع كثير من الشرائع والأحكام جريا على ما قام به سلفه حاميم المتنبي.

  • وضع ابن أبي الطواجن الغماري كما قلنا للغمارين قرآن بلسانهم حتى يكون أكثر تداولا بينهم من جهة، ويفهمه العامي والمتعلم من جهة أخرى. وقد نقل لنا الرحالة الدرويش الذي استعان به موليراس بعض التراتيل التي قال بأن طلبة قبيلة بني سعيد يرتلونها، ويزعمون أنها تراتيل مقتطفة من القرآن الذي استحدثه هذا الأخير.

  • انتشرت دعوة المتنبي أبي الطواجن الكتامي في عموم قبيلة غمارة، فصار يشكل خطرا حقيقيا على الدعوة الإسلامية في المنطقة من جهة، وعلى النفوذ الموحدي في المنطقة من جهة أخرى؛ لضعف دولة الموحدين. وبعد أن أعلن عليه المتصوف عبد السلام بن مشيش حربا ضد أفكاره وادعاءاته، وذلك من خلال دعوة القبائل بالحجة والدليل حول فساد دعوة أبي الطواجين، لإقناعها بتركه، فقام ابن أبي الطواجين بالتخطيط لقتل بن مشيش بعد أن علم أنه أصبح عقبة في طريقه.

  • دس ابن أبي الطواجن للمولى عبد السلام ابن مشيش جمَاعَة من أَتْبَاعه وأشياعه فرصدوا الشَّيْخ حَتَّى نزل من خلوته فِي سحر من الأسحار إِلَى عين هُنَالك قرب الْجَبَل الْمَذْكُور فَتَوَضَّأ مِنْهَا وَولى رَاجعا إِلَى مَحل عِبَادَته وارتقاب فجره فعدوا عَلَيْهِ وقتلوه وَمن الشَّائِع أَنه ألقِي عَلَيْهِم ضباب كثيف أضلهم عَن الطَّرِيق ودفعوا إِلَى شَوَاهِق تردوا مِنْهَا فِي مهاوي سحيقة تمزقت فِيهَا أشلاؤهم وَلم يرجع مِنْهُم خبر.

  • انتقل خبر مقتل الشريف مولاي عبد السلام بن مشيش الغماري إلى مريديه بمدينة سبتة، وهناك جهز مريدوه الذين كانوا منتشرين في كل من قبائل غمارة الساحلية والداخلية جماعة من العساكر السبتية وبعض من المتطوعين فساروا يطلبونه في عقر عاصمته بقبيلة بني سعيد الغمارية، إلا أنه فر منهم باتجاه مرسى وادلاو. حينها سيتمكن بعض البرابرة الغماريين من قتله غيلَة بوادي لاو بَين بِلَاد بني سعيد وبلاد بني زيات.

  • أراد المتنبي من خلال هذه العملية إحباط دعوة عبد السلام بن مشيش الإصلاحية، إلا أن هذا الاغتيال جاء عكس ما أراده المتنبي، حيث أن طريقة الشيخ المصلح انتشرت إلى باقي الأرجاء لتصل إلى تخوم مصر بعد أن سافر تلميذه أبي الحسن الشاذلي إلى شاذلة بتونس، فكانت هذه الدعوة التي قادها تلميذه من كبريات كرامات الشيخ التي حصلت له مع تلاميذه.

  • وقد أورد موليراس بأن حفدة ابن ابي الطواجن حاليا يقطنون بقبيلة بني حسان الغمارية، وأنهم معزولون عن الناس بسبب احتقار المتعصبين لهم، وهم فلاحون مسالمون، غير أنهم يؤدون ثمن غلطة جدهم الذي اتفقت الأسطورة والتاريخ على تقديمه كأرذل البشر وكملعون وكوحش دنيء ومتنبي كافر. إلا أن كل هذه الادعاءات التي قدمها سواء الشرفاء ومن تعصب إليهم حينها، أو التي ساقها الباحث نفسه لا تعدو أن تكون تفسيرات سطحية ليس إلا، وذلك بسبب غياب المصادر التي تتحدث عما حدث بالتحديد شخصية ابن مشيش من جهة، وللمبالغة فيما حدث من جهة أخرى؛ فأغلب الروايات المنقولة يشوبها كثير من الشك والمبالغة، ولما لا الأسطورية.

  • وبالرغم من كل ما قيل عن شخصية هذا المتنبي الغماري، إلا أن ورغم ذلك يظل شخصية صلبة وذكية، حيث استطاع بدهائه وذكاءه استمالت قلوب عشرات الأتباع من جهة، وتمكن من خلخلة مبادئ الشريعة الإسلامية في جزء كبير من الشمال الغربي للمملكة الموحدية المغربية حينها، بل واستطاع أن يخضع الأهالي الغماريين الأشداء لسلطته الروحية والدينية.

  • المصادر والمراجع:

  • إبراهيم حركات، المغرب عبر التاريخ، الجزء الثاني.

  • الناصري، الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى، الجزء الأول.

  • أوجيست موليراس، المغرب المجهول (كتشاف اجبالة)، الجزء الثاني.

  • عبد الرحمان بن خلدون، العبر، الجزء السادس.

  • أبي عبيد عبد الله البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقيا.

  • محمد الهبطي، شرح منظومة الهبطي، تحقيق محمد ياسين الهبطي.

  • بقلم د، موسى المودن

 

Loading...