التنافس الإسباني البرتغالي للصيد في المياه المغربية بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر “توطئة”

التنافس الإسباني البرتغالي للصيد في المياه المغربية بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر “توطئة”

يعثبر البحث في تاريخ الصيد البحري المغربي احد القضايا التي تحتاج منا للدعم والتعريف. وذلك نظرا لكون الصيد البحري ببلدنا الحبيب يختزن في جعبته مجموعة من الأسرار والحقائق التي من شأنها تكذيب ما يتم الترويج له في عدد من المؤلفات المشرقية، التي ذافعت بلغتها الإستعمارية على كون المغاربة لم يتعاطوا مع الصيد وكدا مع البحار  بل إتهمهتهم بالخوف من ركوب الأمواج. هذا في الوقت الذي تؤكد فيه الحقائق التي نقلتها بعض الرسومات على الحجارة او الجلد عمق العلاقة التي ربطت المغاربة بالبحر وكدا الصيد البحري . ولأن الماضي يبقى مرتبطا بما تكشف عنه الوثائق او الحفريات وما نقله المؤرخون ، فإننا سنعمل على تجميع مجموعة من المقالات المتميزة التي قاربت التاريخ البحري بالمغرب ونعيد نشرها من اجل  التعرف على هذا التاريج الذي يحتاج منا لنضال فكري وكدا النبش في كل صغيرة او كبيرة حتى نقترب اكثر من حقيقة الواجهتين البحريتين المغربيتين. والبداية ستكون مع الذكتور محمد البراز ومقاله الشيق “التنافس الإسباني البرتغالي للصيد في المياه المغربية بين القرن الخامس عشر والقرن التاسع عشر ” والذي سننشره على مراحل.

توطئة 

الدكتور محمد البزاز*
الدكتور محمد البزاز*

إن تمتع المغرب بوضع جغرافي متميز، وشهرة ثراء مصائده البحرية جعله موضوع أطماع مختلف الدول الأجنبية وعلى رأسها إسبانيا والبرتغال. ومنذ القرن الخامس عشر سيكون من بين أهداف المخططات الاستعمارية لهاتين القوتين البحريتين، هو تمكين أساطيل صيدها من احتكار استغلال الموارد السمكية للسواحل المغربية، وما ترتب عن ذلك من تقويض لنشاط الصيد والحياة الاقتصادية لمجموعة من الموانئ المغربية.

وفي نفس الوقت كان عامل السيطرة على الموارد السمكية من العوامل التي حركت الأطماع البرتغالية والإسبانية لاقتطاع أجزاء من التراب المغربي، بل وأحياناً كان هو العامل الأساسي لاحتلال بعض الموانئ المغربية، أو لإنشاء مراكز على طول الساحل المغربي واستغلالها فيما بعد كقاعدة لبسط سيطرتها نحو الداخل([1]).

غير أن دراسة التاريخ من هذه الزاوية (الصيد البحري) تعد عملية صعبة، ذلك أن التاريخ البحري للمغرب ظل عموماً، ولمدة طويلة، بعيداً عن انشغال المهتمين بالدراسات التاريخية([2]). وحتى الأبحاث القليلة التي اعتنت بالتفاعل الموجود بين المغرب والبحر عبر التاريخ فإنها كانت تتوقف عند دراسة الجانب الحربي والتجاري للنشاط البحري للمغرب فقط([3])، دون التطرق إلى الجانب المتعلق بالصيد البحري.

وعلى كل حال فإن رصد المسار التاريخي للاهتمام الأيبيري بالصيد في المياه المغربية، سيبين لنا كيف أن النشاط الزائد الذي عرفته بعض موانئ الصيد المغربية سيوجه نحوها أطماع كل من الإسبان والبرتغاليين (أولاً)، الذين سيعرفون كيف يستفيدون من الموقع الجغرافي القريب لبلدانهم، ليحتدم التنافس فيما بينهما للانفراد بالسيطرة على المصائد المغربية (ثانياً)، ليحسم هذا الصراع في النهاية لصالح إسبانيا التي ستوظف عامل الصيد لتنفيذ سياستها الاستعمارية تجاه المغرب (ثالثاً).

أولاً: اقتصاد الصيد المغربي وبداية الأطماع الأيبيرية

من المؤكد أن ثراء السواحل المغربية بموارد الصيد كان معروفاً لدى المغاربة الأقدمين، فقد خلد الإنسان المغربي بعض أنواع الأسماك على رسومات الأحجار ولوحات الفسيفساء الباقية إلى حد الآن([4]).

وحسب بعض الكتاب القدماء، الذين أورد محمد التازي سعود شهاداتهم، فقد تعاطت العديد من المدن المغربية الساحلية – منذ القديم – لصيد العديد من أنواع السمك التي كانت تعج بها المصائد المغربية([5]). كما أن النشاط البحري المكثف الذي عرفه المغاربة نتيجة اتصالهم بالشعوب البحرية سيتعزز عقب الفتح الإسلامي للمغرب. إذ وجد المغاربة أنفسهم ملزمين بتشكيل أسطول عسكري للدفاع ضد الغزو الأجنبي، وأسطول تجاري لتأمين التبادل التجاري، وأسطول صيد يمكنهم من تلبية حاجاتهم الغذائية.

صحيح أن الموارد الفلاحية كانت تغني المغاربة في الغالب عن اللجوء إلى الموارد البحرية، وأن الملاحة في الساحل الأطلسي كانت صعبة وشاقة لانعدام المخابئ الطبيعية، ووجود أمواج عاتية تعرقل إبحار ورسو السفن خصوصاً في الشهور المطيرة، ومع ذلك فمنذ القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي كانت هناك عدة موانئ صيد تنتشر على طول السواحل المغربية المتوسطية والأطلسية.

وإذا كان بعض الكتاب الاستعماريين ينفون وجود حياة بحرية في التاريخ المغربي، بل اعتبر أحدهم أن الحضارة البحرية المغربية ما هي: «إلا حادث عابر من صنع الأجانب»([6]). غير أن الرجوع إلى بعض المصادر المغربية تمكننا من نفي هذا الادعاء، فقد أورد الرحالة المغربي المشهور الشريف الإدريسي في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق“، تفاصيل عن مختلف أوجه الحياة في المغرب خلال القرن الثاني عشر وما قبل، ولم يغب عن باله الإشارة إلى ما كانت تعرفه بعض الموانئ المغربية من نشاط صيد، بفضل ثراء المياه المغربية بالموارد البحرية من مختلف الأصناف، وكذلك لخبرة وحنكة الصيادين المغاربة باستغلال هذه الموارد وتصنيعها وتسويقها([7]).

وهو ما أكده الجغرافي المرموق الحسن الوزان في كتابه “وصف أفريقيا“، حيث عند تطرقه لمختلف مظاهر حياة المغاربة خلال القرن الخامس شعر، فإنه لم تفته الإشارة إلى اعتماد بعض المدن المغربية في اقتصادها على الصيد. فهو يصف مثلاً مدينة (ترغة) قائلاً بأنها: «مدينة متوسطية تبعد عن المضيق بثمانين ميلاً سكانها يمارسون الصيد ويملحون ما يصطادونه من سمك ويبيعونه لتجار الجبل، ويحمل إلى مسافة تناهز مائة وعشرين ميلاً في داخل البلاد»([8]).

ونشاط الصيد الذي يتعاطاه سكان هذه المدن قد تزداد أهميته خاصة في المناطق الجغرافية التي تفتقر إلى الموارد الفلاحية حيث يجد سكانها في المنتوج السمكي الوفير، الغذاء الضروري ومادة صالحة لتسويقها في المدن الداخلية، كما هو الأمر بالنسبة لمدينة (بادس) التي كان أغلب سكانها يمارسون الصيد([9]). بالإضافة إلى صيد السمك اختصت موانئ أخرى بنشاط بحري معين، مثل مدينة مليلية التي كان قديماً يصطاد في مرساها صدف اللؤلؤ([10]).

وقد عرفت موانئ مغربية أخرى صناعة سمكية نشيطة في مصبات الأنهار كمدينة سلا، التي كان مصب وادي أبي رقراق غنياً بموارده السمكية، كما يؤكد ذلك الشريف الإدريسي([11]). وقد اشتهر في هذا المضمار ميناء أزمور الذي يقع على مصب نهر أم الربيع، فمنذ القدم اختص سكان هذه المدينة في صيد (الشابل alose) الذي كان أحد الموارد التي يتاجرون فيها مع البرتغاليين، كما أورد ذلك الحسن الوزان([12]).

وهكذا تؤكد هذه الشهادات التاريخية المغربية ثراء المصائد المغربية، وتنوه بازدهار صناعة الصيد التي كانت تتميز بها بعض الموانئ المغربية، مما أهلها إلى إقامة علاقات تجارية لتزويد الأسواق الداخلية والاتجار مع الأجانب([13]). إلا أن هذه الخيرات التي كانت تنعم فيها هذه المدن ستجعلها مستهدفة من قبل القراصنة الأوربيين، فعند حديث حسن الوزان عن مدينة (يليش) وهي مدينة تبعد عن بادس بستة أميال، فإن ميناء هذه المدينة الجيد «والذي كانت تلتجئ إليه السفن الكبرى الذاهبة إلى بادس عندما يهيج البحر فإن هذه المدينة في أيامنا هذه مهجورة بسبب القراصنة الإسبان»([14]).

وكان الوضع الأخطر من عمليات القرصنة، هو تعرض الموانئ المغربية للغزو والاحتلال الأيبيري، مثل احتلال مدن سبتة([15])، وترغة وآسفي وأزمور. إذ يذكر الحسن الوزان بأن البحارة البرتغاليين الذين يؤدون رسوم الصيد في ميناء أزمور قد: «تمكنوا في النهاية من إقناع ملك البرتغال بالاستيلاء على المدينة فأرسل أسطولاً يتركب من سفن عديدة، لكنه انهزم بسبب قلة خبرة قائده، وغرقت معظم السفن وقد أعاد ملك البرتغال الكرة على أزمور فأرسل إليها بعد سنتين أسطولاً آخراً، متركباً من مائتي سفينة، فلم يكد يراه السكان حتى خارت قواهم…»([16]).

وبطبيعة الحال كان من النتائج المباشرة لهذا الغزو، القضاء على هذه الحياة البحرية النشطة، إذ أن مدينة ترغة مثلاً: «التي انضبطت وكثر سكانها، لكن منذ أن وطئتها أقدام البرتغاليين (سنة 1502) أخذت تنحط سواء في مظهرها أو في عدد سكانها»([17]).

يتبع 

*استاذ بجامعة المولى إسماعيل – مكناس  

المصدر : نشر في الخبر للأديان والمذاهب بتاريخ 23 ابريل 2011 

الهوامش

([1])      إن حضور عامل الصيد في السياسة الاستعمارية لعدد من الدول إزاء المغرب، يبرهن بشكل واضح على المكانة التي يتبوؤها الصيد في حل ما يعرف بـ”القضية المغربية”، وهي المكانة التي تَمَّ التقليل منها أو تجاهلها كما ذكر جان لوي مييج: Jean Louis Miège, «Des pêches traditionnelles à la pêche moderne», in Revue Maroc Europe, N° 9, 1996, p. 24.

([2])      Halima Ferhat, «Le Maroc et la mer: approche historique», in revue juridique politique et économique du Maroc, N° 6, 1980, p. 25; Abdelkader Timoule, «Le Maroc a travers les chroniques du Maroc», N° 6, 1980, p. 25; Abdelkader Timoule, Le Maroc à travers les chroniques maritimes, Tome 1: de la préhistorique à 1912, ed. SONIR, Casablanca, 1988, p. 10.

([3])      بالإضافة إلى المرجعين السابقين انظر مثلاً: عبد الهادي التازي، «الأسطول المغربي عبر التاريخ»، مجلة البحث العلمي، عدد 33، 1982، ص. 15-74؛ وعبد العزيز بن عبد الله، دور الملاحة المغربية في البحار طوال ألف عام، مجلة المناهل، عدد 32، مارس 1985، ص. 64-124.

([4])      A. Simoneau, «Le poisson, symbole du finistére atlasique», in Hesperis Tamuda, 1965, p. 53-79.

([5])      محمد التازي سعود، «محاولة في الاقتصاد المغربي في عهد الملك يوبا الثاني وابنه بطليموس 25 ق. م-40 م»، مجلة المناهل، عدد 26 مارس، 1983، ص. 12-13.

([6])      ويتعلق الأمر بلويس برينو.

Louis Brunot, La mer dans les traditions et les industries indigènes à Rabat et Salé, Paris, 1921, 358 p.

([7])      الشريف الإدريسي، وصف أفريقيا الشمالية الصحراوية، مأخوذ من كتاب “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق” (نحو 548 ﻫ/ 1154 م)، مكتبة معهد الدروس العليا الإسلامية بالجزائر،1957، صص. 107-108 عند حديثه عن مدينة سبتة. وهو ما أكده بعد ثلاثة قرون المؤرخ المغربي محمد بن القاسم الأنصاري، اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، الرباط، 1983، ص. 51.

([8])      الحسن بن محمد الوزان المعروف بجان ليون الإفريقي، وصف إفريقيا، ترجمه عن الفرنسية محمد حجي ومحمد الأخضر، الرباط، 1980، ج 1، ص. 252.

([9])      وفي هذا الصدد يقول الحسن الوزان عند حديثه عن مدينة بادس: «لا ينبت في بلادهم سوى القليل من القمح ولذلك يأكلون خبز الشعير في هذه المدينة ويقتاتون على الخصوص بالسردين وغيره من السمك لأن الصيادين يصطادون منه كميات وافرة بحيث يحتاجون دائماً إلى بعض الناس ليساعدوهم على جر شباكهم…»، المرجع نفسه ، ص. 253.

([10])     المرجع نفسه، صص. 265-266.

([11])     المرجع نفسه، ص. 48.

([12])     المرجع نفسه، ص. 124.

([13])     أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار البرتغالي إلى سنة إخلاء آسفي وأزمور، دار الثقافة، 1984، ص. 292.

([14])     الحسن الوزان، المرجع السابق، ص. 254.

([15])     حول دور الصيد في دفع البرتغال لاحتلال سبتة أنظر: أمين توفيق الطيبي، «احتلال البرتغاليين مدينة سبتة المغربية (818 ﻫ/ 1415 م) مقدماته ودوافعه ونتائجه»، مجلة كلية الآداب بتطوان، العدد 3، 1989، ص. 87.

([16])     الحسن الوزان، المرجع السابق، ص. 124.

([17])     المرجع نفسه، ص. 252.

Loading...