يقول “جوليان بارنز” في رواية “الإحساس بالنهاية” أن التاريخ «هو ذلك اليقين الذي يحدث عند النقطة التي تلتقي فيها عيوب الذاكرة مع عدم كفاية التوثيق»[1]. وما بين غياب التوثيق، واضمحلال ذاكرة شفشاون هناك هوة، من الصعب ملؤها. أمام صمت المصادر الكلاسيكية في العديد من المواضيع المرتبطة بفترة ما قبل قدوم الرواشد، وهي حقبة نجهل عنها الكثير. الأمر الذي يدفعنا إلى طرح العديد من التساؤلات، والفرضيات عن هذه الفترات. على سبيل المثال من سكن أرض شفشاون قبل قدوم الرواشد؟ هل كانت هذه الأرض فارغة؟

وقبل محاولة الإجابة عن بعض هذه الفرضيات لابد من توضيح مسألة مهمة. ألا وهي أن الإنسان حاول التعرف على ماضيه لكي يفهم حاضره من ناحية، ولكي يجد في هذا الماضي سنداً ودعماً لوجوده الآني في إطار الجماعة من ناحية أخرى. ومن أجل ترميم بعض الثقوب الموجودة في هذه الذاكرة، كان الإنسان يلجأ إلى الأسطورة لتفسير اللغز المتعلق بوجوده في الكون، ولتفسير الظواهر المحيطة به، فإن محاولته هذه كانت هي الخطوة الأولى لبناء المعرفة العلمية سواء في مجال التاريخ أوغيره. هنا نقف على أسطورة نقلها لنا قلم الأستاذ عبد القادر العافية، في كتابه الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية بشفشاون واحوازها خلال القرن العاشر الهجري. كون مدينة شفشاون كانت تسمى (مدينة الثعبان) قديما لأن قوما من العمالقة سكنوها وبنوا مدينتهم على ظهر ثعبان قبل ان يرحلوا عنها، وبقيت خالية إلى أن سكنها الشريف بن راشد[2].

ها هنا تصبح الأسطورة ملاذ الإنسان حين كان العقل البشري ما يزال في طور طفولته الأولى[3]. وبغض النظر عن التفسير المختلف لهذه الأسطورة، فإن الأسطورة حاولت ترقيع النقص في ذاكرة الإنسان شفشاوني، وفي معرفته عن وجود الحياة في هذه الأرض قبل قدوم رواشد، وهو الأمر الذي أشار إليه محمد ياسين الهبطي في كتابه : “مساهمة في دراسة المقاومة المغربية للاستعمار الإسباني (مقاومة مدينة شفشاون نموذجا)” إلى مسألة أن شفشاون كانت موجودة في عهد الروماني تحت إسم Appinum[4]. وقد أخدها الهبطي عن عبد العزيز بنعبد الله، الذي اعتبر مدينة شفشاون نفسها قائمة على أنقاض مدينة Appinum الرومانية ولعل هناك اثار عتيقة ترجع لهذا العهد مثل قنطرة تلمبوط ومدشر ماكو شرقي المدينة وقد كان يوليان الغماري واليا للمنطقة من قبل القوط باسبانيا قبل انطلاق الفتح الإسلامي[5].

[1] جوليان، بارنز: الإحساس بالنهاية (رواية)، ترجمة خالد مسعود شقير، منشورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الطبعة الأولى- الكويت، سنة 1969، ص 28.

[2] عبد القادر العافية، في كتابه الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية بشفشاون واحوازها خلال القرن العاشر الهجري

[3] عبده، قاسم قاسم : ” تطور مناهج البحث في الدراسة التاريخية “، ص 171.

[4] محمد ياسين الهبطي : مساهمة في دراسة المقاومة المغربية للاستعمار الإسباني مقاومة مدينة شفشاون نموذجا، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الطبعة الثانية 2016، ص 28.

[5] عبد العزيز ابن عبد الله : “شفشاون وآثارها المعماري عبر التاريخ”، مجلة المناهل، تصدرها وزارة الشؤون الثقافية الرباط- المغرب، العدد الثامن والعشرون، السنة العاشرة، دجنبر 1983، ص 21-22

بقلم ياسين أغلالو

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *