“التجْيير والتْحَرْحِيرْ” .. طقوس “العْواشر” تقاوم الزمن بشفشاون

حافظت المرأة الشفشاونية منذ حقب تاريخية بعيدة على عادات وتقاليد راسخة، صارت متواجدة إلى الآن، بل شكلت موروثاً تراثياً في الذاكرة والوجدان، ومرتكزاً لا محيد عنه لكل الأسر، خصوصا بالمدينة العتيقة ، كلما أقبلت مناسبة دينية أو عائلية.. أو كلما دعت الضرورة إلى ذلك ..

وكان من عادة الأسر الشفشاونية قبل الاستقلال وبعده، أنها قبل حلول مواعيد الأعياد والمواسم الدينية، تخصص أياماً متوالية استعداداً لهذه المناسبات، عبر تنظيف البيت وإعادة ترتيبه وإعداده بما يليق، حتى تكون في مستوى الحدث القادم.

وهكذا كانت كل العائلات الشفشاونية دون استثناء تغتنم تلك الأعياد الدينية لتقوم بحملة داخلية عمادها المرأة ومن معها وبتمويل من الزوج.

وللقيام بهذا الأمر الضروري والتكميلي، كانت تحتاج إلى ” التجْييرْ “، وهي عملية إعادة الصباغة للبيت بالجير الأبيض الذي كان أحد دعائم اقتصاد مدشر “القلعة ” ضواحي إقليم شفشاون، وكذا بعض القرى المجاورة، إذ كان يُجلب في قوالب صلبة ليباع، ثم يُأتى به للمنازل فيُحلل في الماء لتصبغ به الجدران.

فهذه العملية لها اسمان: ” التجْيير ” و “التْحَرْحِيرْ” ، وتشمل الحيطان والأرضية، إلا أن كلمة “التحرْحيرْ”، غالبا ما تقترن بتجيير الأرضية، سواء داخل البيت أو بالأزقة والدروب، أما غير الأرضية فيقال لها ” التّبْييضْ “..

ومن أدوات هذه العملية: “الشطابة” والسُلم و “السْطل” أو ما يسمى بـ: “البانيو”. وقبل هذه العملية تقوم النساء بـ: “التخْمِيلْ “، وهو إخراج الأفـرشة والأثاث وعرض كل هذا على أشعة الشمس، وتنظيف البيت بعد ذلك. ” فالتخميل” إذن التخلص من المتلاشيات برميها، وما صلح يُرجع إلى موضعه بعد النظافة المطلوبة.

تزيين مداخل البيت

وهنا تتجه الجهود إلى الفناء الخارجي، حيث يُعاد التنظيف والتنقية بإزالة الأتربة والأنقاض إن كانت، وإزاحة ما يؤذي العين، وأحيانا تزيين تلك المداخل بالمزهريات التي تحمل أنواعاً من الأزهار والورود والتي تمنح المكان عبقاً خاصاً.

هذه العمليات كلها، تدعى “العْواشـرْ”، وأهمها الأيام التي تسبق عيد الأضحى وما قبل مناسبة ” عاشوراء ” والمولد النبوي الشريف.. وما قبل حلول شهر رمضان المبارك. كما كانت تصاحب هذه العادة ، تحضير صواني الحلويات وطهيها بالأفـرنة التقليدية..

وكلمة ” العْواشـرْ”، استعملت في الكتاتيب القرآنية ومازالت بمعنى العطلة والاستجمام، فكان الفقيه والطلبة يتشوقون لهذه ” العْواشـرْ ” التي يستريحون فيها من عناء الدرس وأتعاب التحصيل، ولم تُعرف كلمة العطلة، إلا في مؤسسات التعليم العصري، أما في التعليم العتيق فالكلمة الوحيدة لم تكن إلا ” العْواشـرْ “، ولعل اشتقاق هذه الكلمة من لفظة “عاشوراء”، فتقارب الحروف من الأدلة الساطعة على ذلك.

المصدر

Loading...