إن للتراث الشفهي أثرًا بليغًا في حفظ التراث الإنساني وتاريخه القديم والحديث، وقد اعتَمَد الكثير من المؤرِّخين والمهتمين بالتاريخ والأمثال والحِكَمِ – الذاكرةَ الشفهية كأداةٍ لنقل التراث، وكذا التأريخ لفترات مهمة من التاريخ الإنساني.

ولَمَّا كان هذا التراث ضروريًّا في حفظ الذاكرة المغربية وجوانبَ مهمةٍ تفاصيلُها، كانت الحاجة ماسَّة لتدوين آثار مهمة من تاريخ الحياة الإنسانية للإنسان المغربي.

ويتعلق الأمر بالحادثة التي حدثت لقبيلة غمارة مع شخصية (البا حدو الريفي)، هذه الحادثة التي ما تزال مختزَنة في الذاكرة الجماعية للقبيلة الغمارية، وتأبى إلا أن تترسخ مع تقدُّم الأيام وتطوُّر الإنسان، ولم يقف هذا التطور أمام نسيان هذه الحادثة التي لم تدوِّنها لا الأقلام المغربية ولا الغربية، وبذلك رفضت النسيان وطبعت بمدادِ كره وبُغْض مَن اقترفها.

وانطلاقًا مما سبق لنا ذكره:

فمَن هي شخصية البا حدو الريفي؟

وما هي الحادثة التي وقعت له مع قبيلة غمارة؟

وكيف ينظر الغماريون إلى مقترف هذه الفظائع؟

وما هي أسباب عدم تدوين هذه الواقعة؟

وكيف ساهم التراث الشفهيُّ في حفظ هذا النوع من الحوادث؟

الكلمات المفتاحية: (القبيلة الغمارية، البا حدو الريفي، التراث الشفهي، التضامن الجماعي، التضمين التاريخي).

أهداف البحث:

في إطلالتنا هذه نحاول تسليط الضوء على جانب مهم من تاريخ الشمال المغربي، وذلك بالنقر على بعض الخصوصيات التي تميزت بها بعض القبائل الشمالية، وعلى رأسها قبيلة غمارة؛ حيث نهدف إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية:

1- تثمين التراث الشفهي وإبراز دوره.

2- تسليط الضوء على بعض الشخصيات القديمة التي لم يؤرَّخ لها.

3- تبيان الجانب التضامني للقبيلة الغمارية مع القضايا الداخلية للقبيلة وكذا الوطنية.

4- التأكيد على أن جزءًا مهمًّا من التراث الشفهي المغربي ما زال حبيس الذاكرة الشفهية ولم يدوَّن بعد.

أهمية البحث:

تكمن أهمية البحث في النتائج التي سنخرج بها بعد هذه الدراسة، والتي لا بد أن تكون إضافة مهمة للرصيد التاريخي والأدبي والثقافي المغربي، وبالتالي ستكون نوعًا من إعادة الاعتبار للموروث الثقافي والأدبي والتاريخي القديم، وكذا ضخًّا لدماء التجديد والتنقيب في مضامينه.

المنهج المعتمد:

لقد استعملنا في هذه الدراسة كلًّا من المنهج التاريخي والمنهج التحليلي.

تقديم:

يعتبر الموروث الشفهي من أكبر ما اعتمد في التأريخ والتحليل، وكذا تفسير الظواهر وترتيب أولويات التضمين، وبما أن المصادر التاريخية الخاصة بالفترة الأولى من الفتح الإسلامي وما تلاه قليلةٌ، بل نادرة جدًّا، فإنه أيضًا تكاد أن تكون منعدمة في بعض الفترات المتأخرة، وخصوصًا إذا ما تحدَّثنا عن فترة الأزمات والاضطرابات التي كانت تعصف بالبلاد.

وفي هذا الإطار آثرنا أن تكون هذه الدراسة إنارةً للقارئ لقضية تاريخية لم تحظَ بالشكل المهم من الدراسة، اللهم من التفاتة بعض المؤرخين الذين اعتبروها من بقايا ما توارثته الأجيالُ بدون سند.

وهذه القضية قد دارت رحاها بين أهل غمارة وقائدها (البا حدو)، وقد تركت بصمة مثيرة وغريبة في قلوب هؤلاء الجبليين، وإلى الآن لم يشفَ الغليل، وما زالت اللعنات تلاحق هذه الشخصيةَ دون أن يعرف لا مكان وقوع الحدث، ولا الشخصية الحقيقية التي جرت معها هذه القصةُ، فإلى أي حد تكون هذه القصة قريبة من الحقيقة؟

وهل حقًّا جرت تفاصيل هذا الحادث؟

وكيف يفسر تشبث كل أهل القبيلة بلعن هذه الشخصية؟

غمارة تاريخ من التألق والتفرد:

إن الباحث المحايد النزيهَ في بحثه حول تاريخ هذه القبيلة وتاريخ أبنائها وأدوارهم الكبيرة التي خلَّدتها الأقلام ودونتها الأسفار – لَيَجدُ أن لها من المواقف الباهرة ما يشفي الغليل ويطمئن النفوس، بداية من مساهمتها الكبيرة في الفتح الإسلامي، كأول قبيلةٍ احتضنت الفتح الإسلامي ولم تقاومه أبدًا، وانتهاءً ببطولاتها المجيدة في محاربة الاستعمار الأجنبي، فكانت بكل حق آخرَ المدن التي سقطت في شمال المغرب، وآخر منطقة سلَّمت السلاح.

وبين هذين التألقين مضت الكثير من الأحداث، التي جعلت من القبيلة الأسطورة التي أبغضها المؤرِّخون واعتبروها قبلةً للجهل والجهال والثورة والتنبي والوثنية التي كانت في جبال الريف وغمارة – أقوى منها في أي مكان آخر[1]، وبين الأقطاب الذين اعتبروها قبلةً للتصوف ومنبرًا للعلم والتعلم، ليتخرج منها أكبر وأعظم عَلَمينِ في تاريخ التصوف الإسلامي؛ المولى عبدالسلام بن مشيش الغماري[2]، والمولى أبو الحسن الشاذلي الغماري[3].

وتقع قبيلة غمارة في وسط الشمال المغربي، وتتكون من تسع قبائل متَّحدة في إطار فيدرالية قبلية متميزة، حافظت على لُحمتها بعد أن فقدت القبيلة جزءًا مهمًّا من توسعها الترابي بفعل التغيرات الديمغرافية، وكذا الهجرات المختلفة، وأيضًا التقسيمات الجغرافية للسلطة المركزية.

وحاليًّا تشغل القبيلة المساحة الكبرى في إقليم شفشاون، ولها بعض القبائل المطلة على الساحل المتوسطي، وأيضًا بعض القبائل التي تحاذي كلًّا من إقليم تطوان والعرائش وتاونات والحسيمة.

وهي حسب العرف التاريخي من حيث الاشتقاق النسبي تنسب إلى الجد الأكبر، وهو غمار بن مسطاف بن مليل بن مصمود، وقيل: غمار بن أصاد بن مصمود[4]، أما من حيث الاشتقاق اللُّغوي، فهم عرب غمروا تلك الجبال وسُمُّوا غمارة[5].

التعريف بشخصية (البا حدو الريفي):

لا دليل مؤكد على أن شخصية البا حدو الريفي، التي أجمع كل أهل غمارة على ألا يرحمه أحد منهم، لا فرق في ذلك بين العوام والخواص، رجالًا ونساءً، كبارًا وصغارًا، داخل القبيلة وخارجها[6] – على أنها شخصية حقيقية، أو تم نفي وجودها في الأصل، إلا أن اسم القائد أحمد بن علي الريفي[7]، الذي كان قائدًا على الشمال المغربي إبان حكم المولى إسماعيل، هو القائد الوحيد الذي تتطابق أوصافه مع تلك الأوصاف التي تناقلها الغماريون أبًا عن جد، وحفروها في ذاكرتهم الشفوية؛ لتصير بذلك عرفًا متعارفًا، وشيئًا مقدَّسًا.

ففي القبائل الريفية الواقعة شرقي تطوان، يقولون لأحمد: (حدو)، كما يقولون لمحمد: (موح)، وهذا قريب من اسم القائد أحمد بن علي الريفي حاكم شمال المغرب قديمًا، إلا أن الكثيرين يظنون أن (أبا حدو) ليس سوى القائد أحمد قائد تطوان وحاكم قبائلها ومِن بينها غمارة[8]، لكن رغم كل هذه الأقوال الواردة التي ترجح إمكانية ثبوت ذلك، فإنه لا مصدر قديم ولا حديث ذكر الحادثة، ولا ألحقها بشخصية القائد أحمد بن علي الريفي، وكل ما قيل لا يعدو فرضياتٍ لا غير.

قصة شخصية (با حدو) مع قبيلة غمارة:

بما أن التدوين التاريخي حفِظ لنا الكثير من الخصوصيات التي تؤرخ للأمم ونمط عيشها، وكذا نمط تفكيرها وأسلوب تعايشها، فإنه أيضًا كان للرواية الشفهية دور مهم في إعادة لَمْلَمة أجزاء مهمة من التاريخ الإنساني، ساهمت في تفسير الكثير من الظواهر المبهمة، والتي استعصى على الباحثين إيجادُ ما يسدون به تلك الثغرات التاريخية.

وقصة شخصية البا حدو مع قبيلة غمارة ما هي إلا مثالٌ بارز على ذلك، فلا نصوص تاريخية تثبت الحدث، ولا قرائن ملموسة تركتها المصادر (أجنبية، مغربية) تثبت ما قيل، إلا أن الذاكرة الغمارية ما زالت تختزن الحدَثَ بكل تفاصيله، وما زالت تؤمن بوجوب لعن صاحبه!

فتفاصيل الحادثة دارت في إحدى مداشر القبيلة الغمارية، ولا يُعرف بالتأكيد أي القبائل الغمارية جرَت معها الحادثة المذكورة، لكن أغلب المؤشرات تؤكد أنها قبيلة بني ارزين الغمارية[9].

ومختصر الحادثة أن هذا القائد كان حاكمًا عليهم، وفي بعض سنوات المسغبة وزَّع عليهم حبوبًا على أن يزرعوها، وعندما يحصدون يأخذون حظَّهم ويأتونه بحظه، أو حظ المخزن، أو حظ المخزن الذي يمثله – أي: الحكومة المغربية – فما كان منهم إلا أنهم وزعوا تلك الحبوب فيما بينهم، وأكلوها أكلًا، فلما كان وقت الحصاد تقدَّموا إلى (أبا حدو) متأسِّفين، واعتذروا بأنهم زرعوا القمح، ولكن المحصول كان شوكًا، فقبِل عذرهم، إلا أنه أمرهم بأن يحصدوا ذلك المحصول ويجعلوه أكوامًا أكوامًا، ثم بعث إليهم من جنده رجالًا أقوياء ألزموهم أن يدرسوا ذلك الشوك بأرجلهم بعد أن ألبسوهم أحذية مصنوعة من كاغد (ورق)[10]، إلا أن القصة المذكورة تناقلتها ألسن الناس ووثَّقتها الغَيرة الشديدة التي اكتست ذكر هذه الشخصية، التي أجمع أهل غمارة على ألا يرحمها أحدٌ منهم[11].

ردة الفعل دليل على قوة التضامن والتآزر:

وموقف أهل قبائل غمارة من شخصية (أبا حدو) الريفي، بالرغم من مرور عدة قرون على حادثته – إن صحت – إن دلَّ على شيء فإنه يدل على تضامن عجيب[12]، وحسبك أن ترى وجوه الغماريين حينما يلفظ أحد الجالسين اسم هذه الشخصية، فترى كلَّ الوجوه شاخصة، كأنك ذكرتَ الشيطان، بل أكثر، بل إن لم تسلم من صفع أو سب أو تنكيل، فأنت الأسلم، وتضامن هؤلاء الغماريين ظاهرة غريبة جدًّا، ولا يُعرف في بلاد المغرب شخص آخر يتضامن أهل بلد أو قبيلة على لعنه كما يلعن الشيطان[13]، مثلما يلعن هؤلاء الغماريون تلك الشخصية.

وتضامن هؤلاء الجبليين لا يقف هنا أبدًا، بل يتجاوزه إلى أبعد من ذلك، فقد عرف الغماريون بوحدة حزنهم، وبوحدة اتباعهم، وكذا بوحدة جهادهم، فها هي الأحداث التاريخية تُعيد إلى الأذهان حادثة سقوط سبتة السليبة، وما كان لها من أثر عميق في قلوب المغاربة أجمعين، إلا أن حزن الغماريين (الجبليين) على سقوط المدينة صار حدادًا طويلًا، فها هم سكان شمال المغرب بدؤوا ينتَعلون النعل الأسود بدل الأصفر، على إثر سقوط المدينة سبتة في يد البرتغال سنة 818 هـ (1415م)؛ وذلك للتعبير عن حداد وطني[14].

ولم تقف أشكال تضامن المغاربة مع أهل سبتة ومدينتهم في تغيير لون الحذاء فقط، بل تجاوزته إلى لباس الشمريرة، التي وضعتها المرأة الشمالية حدادًا على فقدان مدينة سبتة، كما أن المرأة الشفشاونية ظلت تلبس الراحية السوداء إلى عهد الاستقلال سنة 1956م، وسبب ذلك أن مدينة شفشاون آخر مدينة احتلها الاستعمار في أرض المغرب[15].

إن التضامن بين أفراد القبيلة تضامنٌ قديم قِدَمَ تكتُّل القبيلة، وهو إن دل على شيء فيدل على حسها الوطني، وكذا غيرتها على الإسلام وبيضته، وما مقاومة أبنائها للاستعمار الأجنبي طيلة الفترات التاريخية إلا أكبرُ دليل على تضامن المغاربة، وتكتلهم في سياق واحد للدفاع عن وحدة الوطن وأراضيه العزيزة.

التأثير الثقافي للتراث الشفهي:

لا بد أن الواقعة التي حدثت مع هؤلاء الغماريين تركت بصمة سيئة نحو هذه الشخصية حتى صارت للغماريين ألفاظ خاصة في الرد على كل مَن تُسوِّل له نفسه أن يترحم على هذه الشخصية، التي أجمعت كل قبائل غمارة التسع على لعنها، فصار كل من يطلب الترحم على شخصية (أبا حدو)، يُرد عليه بـ: (الله يلعن جدك أو جدو)، أو يكون مصيره الضرب، وربما القتل قديمًا.

وهذا يؤكد أن القصة لم تكن من نسج الخيال أبدًا؛ وإنما هي وليدة واقعة حدثت، غُيِّب عنا الكثير من تفاصيلها، ولم يصلنا من تفاصيلها إلا القليلُ.

وبما أن التراث الشفهي ينقل لنا تفاصيل قد لا تنقلها لنا الأسفار، ولا أقلام المؤرخين والمهتمين، ويرسم لنا الكثير من المعتقدات ويبلورها في إطار الثقافة السائدة، فإن تفاصيل حادثة الغماريين لأكبرُ دليل على هذا الأمر، وخصوصًا أن الغماريين سقطت كرامتهم على الأرض أمام القبائل المحيطة، وانحطت قيمتهم وقيمة رجالاتهم إلى الهاوية، وكيف لا وهم والحضارة التي خلفها أجدادهم تداس من طرف القائد الذي استغل جوع الناس وبؤسهم من أجل إذلالهم؟

إن الفعل الذي اقترفه القائد المذكور حط من قيمة القبيلة أمام القبائل الأخرى، وفي فترة كانت الحروب قائمة على قدم وساق بين هذه القبائل، وعلى الخصوص قبيلة الأخماس الغمارية، إن ما اقترفه (البا حدو) في حق الغماريين تجاوز في نظرهم حدود الجرم، فصاروا بذلك مسخرة أمام القبائل، وكذا صاروا مثل العبيد الذين يُضربون بالسياط ويُحتقرون إلى درجة المهانة، وهذا في نظرهم لا يمثل الإسلام ولا المسلمين.

وفي هذا الصدد قيل: إن دعوات أهل غمارة لحقت بالقائد المجرم، وكان جزاؤه أن قُتل، وطِيف برأسه في كل أرجاء البلاد، وهذا جزاء مَن يحتقر قبلة الأولياء وحرم أسباط النبي[16].

بين الواقع والتراث الوثني المندمج:

إنه لمن الغريبِ أن تسكت كل المصادر التاريخية على ذكر هذه الواقعة، وإنه لمن الأغرب أن تظلَّ الواقعة راسخة في وجدان هؤلاء المغاربة طيلة هذه المدة، ولفترتِنا المعاصرة، وإنه لعجيبٌ أمرُ هذه الحكاية في كل تفاصيلها، فهل يمكن أن يكون للحكاية علاقة بالمستعمرين البرتغاليين أو الإسبانيين الذين كانوا يهاجمون الثغور المغربية (ترغة، قاع اسرس، واد لو، الجبهة) في فترات متقطعة؟

أو هل يمكن أن تكون للقصة علاقة بالتراث الوثني القديم، واندمجت مضامين الحكاية في قالب إسلامي جديد؟

فلا أثر ماديًّا ملموسًا يؤكد أن الأمر وصل بالقيادة في هذه المناطق لمعاملة السكان معاملة العبيد، وإن هذه الصورة التي رسمتها الحكاية تكشف لنا نوعًا من المبالغة العجيبة، كأن الأمر نوع من السخرة أو التعذيب، ألا يفسر صمت الغماريين اتجاه هذه الأفعال الظالمة وجود سلطة قوية حاكمة لم يستطيعوا الثورة على مضامينها، وإلا فلماذا ثار الغماريون منذ الفتح الإسلامي إلى فترات متأخرة على كل مَن قدِم إلى جبالهم قصد الاحتلال أو التأديب، أو رفضًا لمذهب ما؟

ألا يفسر هذا الأمر ارتباط الرواية بالاستعمار البيزنطي للمغرب، ومَن غير البيزنطيين أذلوا المغاربة بهذا الشكل؟

وفي المقابل ألا يمكن أن يكون هو نفسه القائد أحمد بن علي الريفي؟

ألا يمكن أن تكون أنامله هي التي اقترفت هذا الجرم في حق هؤلاء، وخصوصًا أن الحرب بين القبائل التي انفصلت عن فيدرالية القبيلة الأم كانت قائمة على قدم وساق، أم أن نزعة القبيلة الدائمة للتحرُّر هو الذي جعلها تلقى هذا المصير المذل أمام القبائل المجاورة؟!

وإذا كانت كذلك حقًّا، فما هو سبب صمت المؤرخين عن هذا الحدث الهام الذي اختزنته الذاكرة الغمارية، وأبت أن تمسح معالمَه ولو بعد ألف عام! ألم تقع عشرات المجازر المرعبة في حق هؤلاء البربر من قبلُ بسبب عصيانهم ونزوعهم للثورة؟

ألم يتعرَّضوا لحملات عديدة من الاجتثاث بسبب دعوات أنبيائهم وعصاتهم للاستقلالية والتحرر؟

ألم يقفوا في وجه أعتى الإمبراطوريات في العصر الوسيط (الإمبراطورية الموحدية)، ووقوفهم هذا رفض متجدد للمذهب الموحدي؟![17]

فهل يا ترى تكون القصة مجرد ترسخ لإحدى هذه الحوادث القديمة التي واكبت ثورة هؤلاء، وتبلورها في قالب معين إلى أن وصلت إلينا على هذه الصيغة؟ لتؤكد الحادثة بدورها أن كثيرًا من التفاصيل التي جرت بين ظهراني هذه الجبال ما تزال مغيَّبة تغيُّب تاريخها وأدبها، وكذا ثقافتها الضاربة في القِدم! وإلا فأين هو تاريخ وأدب الأدارسة، وبرغواطة، والخوارج الصفرية، وغمارة، والنكور؟[18]

بين قبائل الريف وغمارة:

إن العَلاقة القائمة بين قبائل غمارة الشرقية وقبائل الريف الغربية – لهي أكثر العلائق نموذجًا وأكثرها بعثًا على إعادة التفكير في الحكاية التي تتداولها أذهان الغماريين، فلم نجد بين الأسفار ما يُثبت أنه حدث بين القبائل الغمارية وأهل الريف عداوةٌ وبغضاء وحروب كالتي قامت بين قبيلة الأخماس الغمارية وقبيلة غمارة نفسها، بل إن المتأمل في العَلاقة الموجودة بين هذه القبائل يجد أنها علاقة ودٍّ واحترام وتكافل وانسجام، وأنه وإن عربت هذه القبائل واندمجت في إطار الثقافة الجبلية الغمارية الأندلسية، إلا أن طعم الأخوَّة والتسامح لم ينقطع بين القبيلتين، وهذا ما يؤكد استحالة وجود أي أساس لهذه الحكاية المختلقة أصلًا، وإلا فلمَ يا ترى كانت القبائل الغمارية أول مَن التحق بركب المقاومة الريفية في سنة 1921م لمواجهة الاحتلال الإسباني؟ ولمَ ساهمت أيضًا جيوش المتطوعين مع البا أحمد نفسه وعائلته في فتح الثغور المحتلة وإعادتها لحوزة الوطن؟

وقد برهنت الآثار الموجودة في الأسفار القديمة أن قبائل غمارة وإن اختلفت لهجات قبائلها التسع، فإنها كانت دائمًا في ودٍّ متلازم، فها هي قبيلة بني بوزرة الغمارية، وغير بعيد كانت هي آخر القبائل التي تتحدث الأمازيغيَّة، وبالضبط في بدايات القرن العشرين، إلا إنها – وبفعل سياسة التعريب التي لحقتها – صارت من القبائل التي تتحدث اللهجة الجبلية، وأيضًا قبيلة متيوة الغمارية، وقِسْ على ذلك، فكما قلنا: إن بين الريف وغمارة تاريخًا عريقًا متمازجًا متكتلًا، فإن الريفيين – وبدون معرفة كتب التاريخ – يعبرون بأن أصول هذه القبيلة (بني ارزين) أمازيغية، ويؤكدون بأن أهاليها أقرباء لهم، ولا تقتصر هذه الملاحظة على بني ارزين فقط، بل وتنطبق على غمارة برمتها[19].

خاتمة:

إنه لمن المؤسف أن تغيب المعطيات التاريخية التي تؤرِّخ لمثل هذه الوقائع التاريخية التي واكبت حياة الإنسان الغماري أثناء عيشه واستقراره بين ظهراني هذه الجبال المنيعة، التي اعتصم بها قرونًا عديدة بمعيَّة إرادته، ونزوعِه المستمر لرفض أيِّ قيود تأسر حريته، وتنغص عليه تحرره.

وإنه أيضًا لمن الغريب أن تغيب عن المصادر المغربية والغربية مثلُ هذه الوقائع التي تناقلتها الذاكرة الجماعية الغمارية بأسف شديد وتضامن يرقى إلى حد الوطنية والرفض المستمر لتحقير الإنسان واستعباد كرامته.

وإنه وإن قلَّت المصادر التي تؤرخ لهذه الحادثة، فإن تسليط الضوء عليها يعتبر من الأدوار التي تجب على كل مشتغل بالتراث الشفهي التاريخي، فلا فرق بين التاريخ للقضايا والتراث القديم عن طريق ما تناولَتْه الأفواه والذاكرة الجماعية، وما تركته لنا الذاكرة الحية لهؤلاء الغماريين حديثًا، فإنه كما يشك في الكثير من المسلَّمات التي دُوِّنت قديمًا، فإنه أيضًا يمكننا الشك في الكثير من الحكايات التي تتداولها الألسن والأذهان، فحِفظُ التراث الشفهي واجبٌ على كل فرد؛ خوفًا عليه من الاندثار والنسيان، وإن يقيننا في قدرة المغاربة على إعادة الاعتبار لهذا الموروث لهو أمرٌ مسلَّم به؛ وذلك راجع للاهتمام الكبير الذي صار الأدب المغربي يلقاه من عند كثير من المختصين والباحثين، ﴿ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 70].

المصادر والمراجع:

1- المغرب عبر التاريخ؛ لإبراهيم حركات، الجزء الأول، منشورات دار الرشاد الحديثة، الطبعة الأولى سنة: 2009م، الدار البيضاء.

2- سلوة الأنفاس؛ للكتاني، ج1، تحقيق عبدالله الكتاني وغيره، منشورات دار الثقافة، الطبعة الأولى سنة: 2004م، الدار البيضاء.

3- شذرات ابن العماد، ج5، تحقيق عبدالقادر الأرناؤوط – محمود الأرناؤوط، منشورات دار ابن كثير، الطبعة الأولى سنة 1986م.

4- كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم ومَن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر؛ لمؤلفه ابن خلدون، الجزء السابع، منشورات دار الكتاب العلمية، بيروت 1992م.

5- مفاخر البربر الصفحة:71.

محمد داود، تاريخ تطوان، المجلد الأول، منشورات معهد مولاي الحسن، الطبعة الأولى سنة: 1959م، تطوان.

6- الاستقصاء للناصري، الجزء الخامس، اعتنى به محمد عثمان، منشورات دار الكتاب العلمية، بيروت لبنان، الطبعة الأولى سنة 2007م.

7- تطوان الحاضرة الأندلسية، تأليف كل من: جون لوي مييج، وامحمد بن اعبود، ونادية الرزيني، ترجمة مصطفى غطيس، منشورات جمعية تطاون أسمير، الطبعة الأولى سنة: 2002م، تطوان.

8- أطلس قبائل غمارة، عزوز حكيم، الجزء الثاني، الطبعة الأولى سنة: 2008م، منشورات مطابع الشويخ، تطوان.

9- كتاب أوجست مولييراس، المغرب المجهول، الجزء الثاني، اكتشاف اجبالة، ترجمة د. عز الدين الخطابي.

10- فصول في نظرية الأدب المغربي والأسطورة؛ لمؤلفه جعفر السلمي، منشورات تطاون أسمير، مطبعة الخليج العربي، الطبعة الأولى سنة 2009م.


[1] المغرب عبر التاريخ، الجزء الأول، الصفحة: 55.

[2] انظر ترجمته في كتاب: المغرب عبر التاريخ؛ لإبراهيم حركات، الجزء الأول، الصفحة: 310.

[3] انظر ترجمته في كتاب: سلوة الأنفاس؛ للكتاني، ج1، ص84، شذرات ابن العماد، ج5، ص278.

[4] تاريخ ابن خلدون، الصفحة 283.

[5] مفاخر البربر، الصفحة 71.

[6] نفسه.

[7] انظر ترجمته في كتاب: محمد داود، تاريخ تطوان، الجزء الثاني، الصفحة: 45، الاستقصاء، الجزء الخامس، الصفحة: 166، تطوان الحاضرة الأندلسية، ترجمة مصطفى غطيس، الصفحة 31.

[8] نفسه.

[9] قمت باستفسار كثير من كبار السن في قبيلة بني سلمان الغمارية، وأكدوا لي أن الحادثة وقعت في قبيلة بني ارزين، ولا يعرفون بالضبط أي المداشر وقعت فيها الحادثة المذكورة.

[10] تاريخ تطوان؛ لمحمد داود، الجزء الأول، الصفحة: 255.

[11] نفسه.

[12] نفسه.

[13] نفسه.

[14] أطلس قبائل غمارة، الجزء الثاني؛ لعزوز حكيم، الصفحة: 11.

[15] أطلس قبائل غمارة، الجزء الثاني؛ لعزوز حكيم، الصفحة: 11.

[16] من مقابلة أجريتها مع أحد الفقهاء الغماريين الكهول في قبيلة بني سلمان الغمارية، ذكر فيها أن القائد أحمد بن علي الريفي انتقم الله منه؛ جزاءً له على ما اقترفه في حق الغماريين.

[17] المغرب عبر التاريخ، الجزء الأول، ص: 290.

[18] فصول في نظرية الأدب المغربي؛ لجعفر بن الحاج السلمي، الصفحة: 35.

[19] كتاب أوجست مولييراس، المغرب المجهول، الجزء الثاني، اكتشاف اجبالة، ترجمة د. عز الدين الخطابي، الصفحة: 274.

بقلم المودن موسى

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *