أما المرأة التي هي نصف المجتمع فينطبق عليها ما ينطبق على أخيها وأبيها وزوجها فهي منقسمة إلى امرأتين: فهناك المرأة التي تعيش في نطاق المجتمع الغماري اﻷصلي وتحافظ على قيمه ومعاييره وتتقيد بنظرته العامة من حيث منظرها وسلوكها العام . وهناك المرأة المحدثة التي تعيش في نطاق المجتمع الغماري المحدث . وقد أخذت تحمل قيما ومعايير تبدو -بالنسبة للمجتمع الغماري المحافظ غريبة – هي أقرب إلى الحداثة الغربية .

       إن الفرق بين هذين الطرازين شاسع وبين ،  وأصبحت قضية المرأة الجبلية عامة والغمارية منها على الخصوص،  موضوع الساعة بحيث شكلت إحدى النقاط التي تناولها أهل المنطقة من مواقع الحديث عن مجتمعين ونمطين من أجل التحريض ضد المجتمع المحدث . فهنا فقط أخذ يطرح موضوع المرأة الجبلية عامة والغمارية منها على الخصوص من لدن أهل المجتمع الغماري اﻷصلي والمحافظ انطلاقا من مواقع “حضارية”، ولكن بأسلوب شديد المكر فبدت المعركة وكأنها صراع بين حجاب وسفور ، أو بين تقيد المرأة الغمارة بالمحافظة على القيم وأخلاق المجتمع الغماري المحافظ وبين خروجها وانقلابها على المجتمع الغماري اﻷصلي . وبهذا ، أضحى موضوع المرأة الغمارية حديث الساعة لدى أبناء منطقة غمارة للصراع الفكري / الحضاري / التحريري ، الذي يخوضه جيل المجتمع الغماري المحافظ ضد حداثة جيل المجتمع الغماري الحداثي والمنسلخ عن الهوية الغمارية اﻷصليه – الطرابق / الشاشية / الحايك / الزي الساتر / الوقار / الحشمة … – التي مثلت وجها بئيسا من أجه التبعية للخارج .

وقد أضحت كل الموضوعات التي أثارتها تلك الحداثة حول المرأة الغمارية المنتمية إلى المجتمع اﻷصلي المحافظ ، فإن الدعوة إلى السفور والانسلاخ مدخل إلى الانتهاء بشبه العري ، والتفسخ ، وإذا الخروج من المجتمع اﻷصلي مدخل إلى التبعية والضياع .

      ولا أدل على ذلك ارتفاع نسبة العنوسة بين الجنسين رجالا ونساء سببه لهفة المرأة الجبلية عامة والغمارية منها على الخصوص ،  وراء الحضارة اﻷجنبية التي تدعو إلى الانحلال والتفسخ مما أدى إلى تغييري أفكار المرأة الغمارية / الجبلية دون أن يحدث تغير في الجمجمة … وإقدام عدد كبير من بنات المنطقة لوضع حد لحياتهن باﻹعدام شنقا وارتفاع كذلك أيضا ظاهرة النساء العزيبات … ويكفي دليلا ذلك الضياع الذي تبنته المرأة الغمارية المحدثة في لباسها ومظهرها إلى ما يسمى (بالموضة) أي أصبح مصمم اﻷزياء وماشط الشعر في باريس ولندن وأنقرة وإسطنبول … يقررون للمرأة المحدثة في المجتمع العربي / اﻹسلامي عامة والغماري منه على الخصوص ما تلبس في كل فصل من فصول السنة وكيف تسرح شعرها ، وكيف تعري من جسدها ، وكم تشدد على إبراز تلافيف جسمها [قطاع كبير من شابات المجتمع الغماري المحدث ينهجن هذا النهج أيضا] فهل هناك عبودية أشد من هذه؟ ثم بهذه المناسبة ، تذكرت يوم أن كنت واعظا وخطيبا بأحد مساجد إقليم شفشاون ، كانت معظم دروسي وخطبي تتمحور في هذا الجانب السلوكي اللا أخلاقي الدخيل والغريب عن قيمنا اﻹنسانية اﻷخلاقية الكونية نحن كمسلمين وكأبناء منطقة غمارة بلاد العلم والفقهاء وحفظة القرآن بلاد الحشمة والوقار … لكن سرعان ما تم توقيفي طالما وأنني كنت أخطب في دوار المجتمع الغماري المحدث الذي يغلب عليه الطابع الحضاري اﻷوروبي؛ ﻷن جل الساكنة ينتمون إلى الجالية المغربية المقيمة بالخارج … فكانوا يكرهون دروسي وخطبي المتتمحورة حول هذه المواضع خصوصا من لدن نسائهم وفتياتهم اﻷوروبيات المحدثات والمتغربات .

  وبالمناسبة أيضا ، أفلا تلخص هذه المسألة ، تلخيصا أمينا ، جوهر الحداثة الغربية ، بل تضع تحت المجهر أي من المجتمعين الغماريين اﻷصلي أم المحدث يمثل المقاومة والاستقلال والعقل والعقلانية هنا ، وأي منهما يمثل الخضوع والتبعية واللا عقلانية أيضا؟

 وبالمناسبة أيصا ، إذا كان مقياس التقدم والتأخر مرتبطان بمدى الاستقلالية ومدى التبعية ، فإن المجتمع الغماري اﻷصلي هنا يصبح اﻷقرب إلى التقدم والعقلانية بينما يصبح المجتمع الغماري المحدث نموذج التأخر والتخلف واللاعقلانية . كما تصبح المرأة الغمارية اﻷصلية المحتشمة اﻷقرب إلى التقدم والتحرر بينما يصبح مريدو ومريدات  “كريستيان ديور” و “بير كاردان” نموذج التخلف والتأخر واللاعقلانية وذلك على عكس ما يأخذه المجتمع المحدث من مقياس لما هو تقدم وما هو تأخر ، وما هو عقلي .

   عبدالحق بوعزة-الغماري

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *