على بعد 100 كيلومتر من مدينة تطوان تتراءى لك مع المناطق الجبلية والسهول، جماعة أمتار التابعة إداريا لإقليم شفشاون، التي يعيش مواطنوها على وقع مرير مع الصحة والتعليم وغياب الماء الصالح للشرب والكهرباء والبنية التحتية وغياب الأمن وسوء التسيير ومطارح الأزبال وغياب المرافق الصحية والموظفون الأشباح بدار الشباب ومشاكل النقل.

– الصحة

تعاني ساكنة مركز “أمتار” الواقع على الطريق الساحلية الرابطة بين تطوان والجبهة، وضعا صحيا مزريا للغاية، إذ أن المركز الصحي الوحيد بالمنطقة يفتقد لأبسط وسائل الاستشفاء، وكذا الخصاص على مستوى الأطر الطبية التي تحضر حينا وتغيب أحيانا كثيرة، وتدني مستوى الخدمات الصحية،
الشيء الذي يضطر بسببه مرضى المنطقة الميسورين إلى التنقل مسافات طويلة بحثا عن العلاج . أما الفقراء فينتظرون الفرج من السماء ويئنون بمفردهم بعيدا عن من انتخبوهم ليدبروا أمورهم ويخففوا عنهم قسوة ومعاناة الظروف.

– غياب الأمن وسوء التسيير

سنوات طويلة من الإهمال الحقيقي الذي يتجلى في جملة من المظاهر السيئة. بل إن الأمر يزداد سوءا يوما بعد يوم. فبالإضافة إلى التخطيط العشوائي وغياب المرافق الصحية وانعدام الأمن، أصبحت المنطقة، التي توقعها البعض أن تكون وجهة سياحية؛ نموذجا سيئا عشوائيا لا ملمح له.

وفي ظل غياب مسؤولي الجماعة المحلية تتفاقم الوضعية المأساوية بصورة أشد قتامة، مما يجعل الوافدين على المنطقة يشتكون باستمرار وينفرون منها. والمؤسف حقا أنه مع إصلاح الطريق الوطنية الرابطة بين تطوان والحسيمة، يزداد تردي الوضع كما تغيب البنية التحتية غيابا تاما. وأصبح المظهر العام الذي يسم المنطقة هو كثرة الغبار وغياب طرق ومداخل واضحة المعالم تسهل عملية الانتقال إلى الشاطئ.
يقول البعض إن الجماعة هي المسؤولة عن كل هذا الوضع الكارثي. وتقول الجماعة إنها حريصة على النظام وتطبق القانون وتقوم بواجبها حسب طاقتها. لكن من المؤكد أن كل العشوائيات والبناء غير القانوني والمخالفات الواضحة لا تتحقق بين ليلة وضحاها، بل هي حدثت بالتتابع وتحت أعين المسؤولين. ولذلك لا توجد في أمتار طريق واضحة تؤدي إلى الشاطئ، والطريق الوحيدة ربما لا تسع لمرور دراجة، مما يجعل الوافدين يتخبطون ويغضبون، ومنهم من يقرر العزوف عن قضاء عطلته بها. إضافة إلى هذا التخطيط العشوائي أصبح غياب الأمن الملمح الرئيس للمنطقة؛ حيث كثرت حالات السرقة والاعتداءات بالأسلحة البيضاء، وهذا يشكل خطرا على الساكنة وعلى المنطقة..

– النقل

معاناة المسافرين عبر الخط الرابط بين تطوان والجبهة تتواصل مع الأسطول المهترئ وتتعرض حافلة اليتيمة التي تربط بين تطوان والجبهة لعطل ميكانيكي بشكل يومي. لكن إلى متى سيبقى الأسطول المخول له نقل المسافرين في هذا الاتجاه مهترئا لا يصلح البتة لأن يكون الوسيلة المناسبة للسفر، لا من حيث الحالة الميكانيكية، ولا من حيث الهيكل الذي لا يصلح حتى أن يكون كوخا للدجاج.

استبشر الساكنة خيرا عندما تم تعبيد الطريق وتوسيعها، والكل كان يأمل أن يكون نفس الشيء بالنسبة لأسطول الحافلات وسيارات الأجرة، لكن بقي الحال على ما هو عليه، وظلت معاناة الساكنة تزداد سوءا مع تدهور وسائل النقل، والغياب التام للمسؤولين عن هذا القطاع، وتماطل أرباب الحافلات وسيارات الأجرة في تجديد مركباتهم واستبدالها بحافلات وسيارات جديدة، أو منح ترخيص لشركات جديدة تتوفر على حافلات تليق بالمنطقة، وتوفر الراحة للمسافرين، علما أن تعرفة السفر مبالغ فيها بالمقارنة مع عدد الكيلوميترات، ووسيلة النقل المستعملة. فإلى متى سيبقى الحال على ما هو عليه؟

– التعليم

يشكو العديد من المواطنين بجماعة أمتار بإقليم شفشاون من التعثر الذي يطال القطاع التعليمي لفلذات أكبادهم. هؤلاء التلاميذ أضحوا عرضة لغياب الأساتذة عن تلقينهم الدروس. إذ كشفت مصادر من عين المكان، أن هناك من التلاميذ من قضوا خمس سنوات في المدرسة، لكن دون أن يجيدوا الكتابة والقراءة بشكل يتناسب ومستواهم الدراسي، والسبب دائما هو الغياب المتكرر للأساتذة.

للتذكير، فإن جماعة أمتار تظل الوحيدة التي لا تستفيد من برنامج “تيسير”!! فكيف يحدث تكافؤ الفرص بين تلاميذ المغرب؟ كما أنه من الواضح جدا أن هناك نقصا في كفاءة بعض الأطر الإقليمية المكلفة بتدبير وتتبع العملية التعليمية.

– الماء الصالح للشرب

في كل يوم يجد سكان دواوير جماعة أمثار أنفسهم مضطرين إلى قطع مسافات طويلة قصد الحصول على شربة ماء يشفون بها غليل حناجرهم الناشفة من جراء الحرارة المرتفعة في الصيف. لقد أصبح الحصول على قنينتين من الماء هو الشغل الشاغل لهده الساكنة كلما حل عليهم المساء، وصار اليأس من تغيير الأوضاع البائسة هو الحديث المتداول بين هؤلاء البؤساء الذين لا حول لهم ولا قوة إلا الالتجاء للخالق داعين أن ييسر الصعاب التي يواجهونها أمام صمت المسؤولين الذين لا يجهلون أوضاعهم من كثرة ما اشتكوا إليهم والتوسلات التي وافوهم بها هم وباقي دوواوير الجوار.

وأكثر هذه الدواوير معاناة هي دوار: بني بوحرايث التي بها من المنازل ما يقارب المائتي منزل، وتجد نفسها مضطرة لقطع عدة كيلومترات بالسيارة لجلب مياه صالحة للشرب إما لدوار تغسوان أو لي تسف. أما سكان دوار افريون وامراحل فيجدون أنفسهم يقطعون أكثر من أربع ساعات على متن البغال والحمير لدوار صدام.

ويحكي أحد الشباب المنتمي لدوار “تازة”، بكل حسرة، برنامجه اليومي الذي يقضي فيه 4 ساعات كل يوم للحصول على 50 لترا من الماء يشرب منها ويتوضأ ويستحم بها من شدة الحرارة القاسية وينظف بها الملابس بمعية الأسرة بكاملها. ويردف الشاب “س.د” قائلا أنه لم يعد يتحمل كل هذا العناء يوميا موجها رسالة استغاثة واستنجاد للمسؤولين الذي يعتبر أن الحل بيدهم والذي يتمثل فقط في حفر بئر يفوق عمقه 20 مترا لكي يصل إلى المياه الجوفية.

وتقوم شاحنة تابعة للجماعة واخرى تابعة لعمالة شفشاون بتزويد بعض الدواوير مع واجب أداء مبلغ للجماعة ،ويبقى ذالك غير كافي بتاتا.

– المعتمدون  على “الكيف

جل القبائل الجبلية التابعة لهذا الإقليم تعيش على زراعة القنب الهندي “الكيف” ولا شيء سواه. ففي هذه الأوقات تبدأ عملية حرث هذه الزراعة التي تعد الدخل الوحيد لفئات عريضة من السكان في ظل غياب أي مورد آخر. لكن ما بين عملية الحرث والحصاد يعاني الفلاحون كثيرا طيلة السنة لما تتطلبه هذه الزراعة من العناية الدائمة والحذر الشديد.

ومن أبرز معاناة هؤلاء أنهم دائما يتعرضون للمطاردة من طرف “المخزن”. وإذا سلموا في الغالب من إلقاء القبض عليهم، فإن حقولهم لا تسلم من القطع والحرق من طرف السلطات التي لا تعير أي اهتمام لما قد يتعرضون له من فاقة وفقر في حالة ضياع مورد عيشهم الوحيد،والمتمثل في نبتة “الكيف”.

وفي حالة إذا سلمت جرتهم من هجمة السلطات، فإن معاناة أخرى أكثر خطورة تبدأ مع بيع المحصول، إذ تحول بعض المشترين في الآونة الأخيرة إلى لصوص يستعملون أسلوب الحيلة مرة وأسلوب العنف مرة أخرى. ففي الأولى يعمدون إلى خداع الفلاحين بطرق عديدة للحصول على محصولهم كإعطائهم حقائب نقود مملوءة بأوراق مالية زائفة لا قيمة لها أو ما يماثل ذلك. وفي الثانية يستعملون العنف كأن يطلبوا من الفلاحين إحضار المحصول في مكان بعيد عن الأنظار ثم يهددون حياتهم ويأخذون محصول السنة ويذهب كل شيء هباء بالنسبة للفلاحين.

كل هذه المعاناة والحذر الشديد فقط من أجل بيع المحصول لكي تعيش بثمنه طيلة السنة هذه القبائل الجبلية المنسية، والتي لا يتذكرها المسؤولون في شفشاون إلا في فترة الانتخابات.

– الصيد البحرى وخدمة “المصيفين”

لا توجد في إقليم شفشاون المناطق الجبلية فقط، فهناك المناطق الساحلية التي تمتد عبر شريط ساحلي ينطلق من “قاع اسراس” التي تحد هذا الإقليم بإقليم تطوان غربا مرورا بالعديد من القرى الساحلية وصولا إلى “الجبهة” شرقا.

في هذه المناطق الساحلية لا تبدو الحالة أحسن بكثير من المناطق الجبلية.. فأغلب الشباب عاطلون عن العمل، وليس هناك مورد رزق لهم غير البحر الذي يبحرون إليه بمراكبهم الصغيرة للحصول على لقمة عيش لا تسمن، ولكنها فقط تغني من جوع.

الحقول في هذه المناطق لا تزرع الكيف، فقد صار الأمر محظورا منذ سنين، وبالتالي لا يبقى في هذه الحالة إلا البحر أمام هذه الشريحة المهمة من ساكنة الإقليم في ظل غياب مشاريع كبيرة بهذه المناطق، أو أي جهود تبذل لتنمية اقتصادية تعود بالخير على السكان وتحل مشاكلهم سابقة الذكر. وهم يعتمدون الآن على البحر في فصل الشتاء لصيد الأسماك، ويستفيدون منه إلى أن يأتي فصل الصيف ويفد السياح والزائرون للاستجمام في شواطئ هذه المناطق، فيقدمون لهم الخدمات، ويحدث بعض الرواج في الصيف الذي يستعينون بموارده المالية لقضاء باقي فصول السنة.

ورغم جمالية هذه المناطق الساحلية التابعة لإقليم شفشاون، إلا أن المشاريع السياحية التي يمكن أن تكون أحد الحلول لمعالجة مشكل البطالة في هذه المناطق، تبدو غائبة، بل حتى التعريف بجمالية هذه المناطق الساحلية من طرف المسؤولين -وهذا أضعف الايمان- بدوره غائب تماما.

– لعبة الانتخابات

في فترة الانتخابات وحدها يرى سكان هذا الإقليم وجوه المرشحين للبرلمان الذين يريدون تمثيلهم فيه.. ولمعرفتهم المسبقة أنهم لن يقدموا لهم شيئا، فإن الانتخابات تحولت إلى مجردة لعبة يتسلون بها للقضاء على الملل الذي يعيشونه، فهم يعرفون أن هؤلاء الذين يستجدون أصواتهم سينسونهم تماما ولن يفيدوا بلداتهم بشيء ما..

وإلى أن يتحرك المسؤولون في هذا الإقليم لإخراجه من عزلته، فإن أذهانهم حاليا لا توجد بها سوى مدينة شفشاون. تلك المدينة الجبلية الجميلة بدورها البيضاء وزرقة دروبها وهوائها العليل وخضرتها التي تسر الناظرين. ويأتيها الزوار من الداخل والخارج وفي مرضاتهم مكسب للمسؤولين الذين يهملون ما عداها مما لا تقع أعين كبار الزوار عليه.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *